آراء حرة

 

نحو جيل جديد من الغاضبين



2013/01/12

يقترب الإسلام السياسي من خريفه , يتحول بسرعة من ظاهرة غضب و احتجاج شعبي على السلطة إلى أداة لإنتاج سلطة استبدادية أو حتى شمولية .. لعقود , منذ الستينيات على الأقل , أعطى جزء من الفكر السياسي الإسلامي , المشتق أساسا من فكر و فقه الخوارج الثوري , أعطى الغضب الشعبي و الشبابي القدرة ليعبر و يعلن عن نفسه في مواجهة الواقع و السلطة , و في مواجهة الفكر التبريري للاستبداد الحاكم .. لكن يتضح الآن أكثر فأكثر أن الإسلام السياسي , المنظم , المؤسساتي و هو يقترب من السلطة اليوم , و ككل الأفكار السلطوية , غير مهتم و غير قادر على تغيير الواقع , إنه يكتفي فقط بتغيير السلطة , بإعادة إنتاجها لكن بمبررات جديدة , بكل تفاصيل الخضوع و السمع و الطاعة , أي بكل تفاصيل القمع و الاستلاب السابقة إن لم يكن بدرجة أعلى من التماسك و الشمولية و الجهنمية .. إنه غروب جيل الغضب الإسلامي , الذي سرعان ما سيصبح هو نفسه محل غضب المهمشين و المقموعين ما أن يباشر دور السيد الجديد .. قبل ذلك بوقت طويل كانت السلطة , الطبقة الحاكمة و المالكة , قد دجنت اليسار , العلمانية , الحداثة , التي تحولت إلى معازل نخبوية لا أكثر , تغير باستمرار و بهمة مموليها , التيارات الرئيسية فيها على الأقل .. صحيح أن النت و الفيس سمحا بظهور معازل ثورية يسارية و علمانية جذرية خارج وسائل إعلام أنظمة الاستبداد أو البترودولار أو المنظمات غير الحكومية لكنها بقيت هامشية جدا فيما يتعلق بصياغة الوعي العام أو بالتدخل في صيرورة الأحداث .. الحقيقة أن مقاومة المقموعين و المهمشين لم و لن تتوقف أبدا , إنها تستمر دائما لكن بأشكال متعددة و مختلفة , ليس أقلها الأفعال المضادة للقانون لقانون السلطة القائمة و المصمم خصيصا للدفاع عن امتيازات الطبقة الحاكمة و المالكة , و تخريب مؤسسات تلك السلطة أو إعاقة نشاطها , و العنف الموجه لأجهزة عنف السلطة , الخ .. عادة تشعر النخب بالازدراء تجاه هذا النوع من المقاومة و تدينه على أنه تافه غير أخلاقي , بينما تمتدح أشكال مقاومتها هي .. في سوريا مثلا , لا شك أن النخبة قد قاومت استبداد الأسد , و دفعت ثمنا باهظا لقاء هذا , آلاف السوريين قضوا عشرات السنين من حياتهم في سجون الأسد عدا من ماتوا تحت التعذيب , لكن بانقطاع هذه المقاومة أو احتوائها لم تتوقف مقاومة السوريين لاستبداد الأسد , لقد استمرت بشكلها الآخر , الأكثر صمتا , الأكثر يومية و ارتباطا بالشارع , في كل زاوية , حيث أمكن للسوريين أن يبارزوا أجهزة قمع النظام و يناوشوها و يهزموها أحيانا .. و فقط عندما أصبحت مقاومة المهمشين جماعية إلى حد ما اندلعت الثورة التي هزت النظام من أعمق جذوره .. لذلك عندما حمل المهمشون السوريون السلاح لم تفهم النخبة بسهولة هذا التحول , و حرصت باستمرار على أن يخضع لضوابطها , الفكرية و الإيديولوجية و الأخلاقية .. لا تعرف النخبة المثقفة و السياسية , بما في ذلك المعارضة , كثيرا عن حياة العالم السفلي , حيث العنف جزء من الثقافة اليومية الضرورية , أحد أنماط السلوك اليومي الشائعة , جزء من صراع البقاء الدائر هناك .. كان هذا العنف معزولا عن الطبقات الأخرى بطبقة كتيمة هي أجهزة القمع التابعة للنظام , و مع تفكك هذه الطبقة الكتيمة فوجئ الجميع بالعنف المنفلت القادم من أسفل المجتمع .. و رغم المحاولات المتعددة لتلاوة الوصايا العشرة التي تحترمها الطبقات الأعلى في أي مجتمع : خاصة حرمة الملكية الخاصة و سفك الدم بغير شرع الله أو قوانين الطبقة الحاكمة التي تساوى بالصالح العام , اكتشف الجميع , مرة أخرى , أن أفضل طريقة لتدجين هذا العنف السفلي و السيطرة عليه هو شراءه بالمال , و هي أسوأ طريقة ممكنة من حيث تأثيرها و نتائجها على المجتمع و أفضلها في نفس الوقت من موقع الطبقات السائدة , كما أن شعار الدولة المدنية الذي تتبناه أكثرية المعارضة السورية و الطبقتين العليا و الوسطى يتضمن فيما يتضمن إعادة بناء ذلك الحاجز الكتيم بين العالم الأسفل في المجتمع و قمته , إعادة إنتاج أجهزة القمع التابعة للسلطة المركزية , بهدف إعادة قوننة عنف العالم السفلي و تقنينه و عزله و محاصرته من جديد .. لا يشكو الواقع العربي اليوم في مصر و سوريا و غيرها , و لا في الغد بكل تأكيد , من نقص في أسباب الغضب , الشعبي , بين المقموعين , و المهمشين , لكننا اليوم بلا شك أمام جيل جديد من الغاضبين , السؤال هو هل نجد إرهاصاته في أنماط التنظيم الشبابي المستقل عن النخب كالألتراس مثلا أو في حركات مقاومة العشوائيات العنيفة عند اللزوم في وجه تغول رأس المال أو مؤسسات الدولة , أم أن لاهوت تحرير جديد سيبزغ فجره من قلب مؤسسات القمع التي تحاول استعادة دورها في حماية النظام القائم , الجديد , أم فكر يساري أو علماني \"متطرف\" أو جذري لدرجة لا تعرف المهادنة مع كل عوامل استلاب و تهميش الملايين , بينما تتجه النخب نحو إعادة إنتاج و تنظيم البنية الفوقية عبر أشكال و مؤسسات الديمقراطية التمثيلية لإعادة إنتاج خضوع الأغلبية لها و لدولتها بينما تزعم أنها بذلك تنتج آليات نفي استلاب و تهميش تلك الغالبية ؟ كيف ستقاوم الغالبية تلك الآليات , لا يمكن الزعم بمعرفة الجواب اليوم , الأكيد بغض النظر عن كل شيء هو أن تلك المقاومة ستستمر .

مازن كم الماز
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع المحطة  Copyright   All Rights Reserved - Almahatta.net

الصفحة الرئيسية

من نحن

سجل الزوار

دليل المواقع

اتصل بنا

مدينة القامشلي

صور من القامشلي

رياضة القامشلي

اطفال

نكت

ديانة مسيحية

قصص قصيرة

صور فنانين

هل تعلم؟

سري للغاية!

حوادث غريبة

ذكريات

مذابح

تعليقات الأخبار

تعليقات الزوار

 

عجائب وغرائب

تاريخ

مواضيع اخرى

اغاني MP3

 

Home   الصفحة الرئيسية