آراء حرة

 

السوريون : آخر قرابين التاريخ



2013/06/18

التاريخ قصة , لكنها واقعية جدا , و التاريخ كالحياة ليس من دون ضحايا .. أرادت الطبقة الوسطى في باريس , مع فقرائها , أن تتحرر من نير سكان قصر فرساي فوجد ملايين الفرنسيين أنفسهم ضحية , اعتبرهم البعض ضحية لحلمهم بصنع تاريخهم , و آخرون ضحية لمخلصيهم , لسادتهم الجدد , أو لعبوديتهم الجديدة .. لعقود بقي أهالي باريس , عمالها و برجوازيوها , شرطتها و جنرالاتها , رجعيوها و ثوريوها , يصنعون تاريخهم , الحلم تلو الحلم , الكابوس تلو الكابوس , من معركة الباستيل , القلعة السجن , الذي كان يختزل بدقة كبيرة فرنسا الملكية قبل الثورة , إلى أيام 1848 العاصفة , إلى معركة مورنماتر الأخيرة لكومونة باريس ضد جيش فرساي إلى معارك الشوارع في ربيع 1968 بين الطلاب و الشباب و بين نظام ديغول ..

تبدأ القصة عادة بقفزة نحو المجهول , مجهول أراد فرنسيو 1789 أن يصنعوه على غرار نبوءات و فرضيات روسو و مونتسيكو عن عالم جديد و مختلف , لكن التاريخ أكبر دائما من الفرضيات و كثيرا ما يسير في الاتجاه المعاكس لها , سرعان ما لملمت القوى السائدة شتاتها , و أخذت تلاحق حلم الفرنسيين , أو أحلامهم , تلاحق جنونهم و عشقهم الفتي للحرية , محاولة حبس المارد في القمقم من جديد .. عرف التاريخ قرابين كثيرة شبيهة , شعوبا خاضت حروبا و ثورات دموية , انقرض بعضها على يد طغاة أو غزاة لا يرحمون , أو بكوارث أكثر طبيعية كالمجاعات أو الطاعون , أو في رحلات الهرب الكبرى من عدو حقيقي أو مفترض : الفلسطينيون , الأرمن , الفيتناميون , الهنود الحمر , اليهود أنفسهم , هؤلاء فقط بعض قرابين التاريخ ..

 يمكننا اليوم أن نضيف السوريين إلى تلك القائمة , شعب وجد شبابه أنفسهم تحت نير العبودية , فبحثوا عن حريتهم , و عن ذاتهم , ليجدوا ذات الأجوبة السهلة في هويتهم الموروثة , معتقدين أن تحرير تلك الهوية من أي قمع هو المدخل لحريتهم , غالبا ما يبدو هذا للمضطهدين و كأنه الخطوة الأولى نحو حريتهم .. من قبل قاد هذا البحث أو الظمأ إلى الحرية , إلى الذات , قاد العراقيين و اللبنانيين من بين كثيرين غيرهم في هذا الشرق إلى صراعات دموية تكاد لا تنتهي .. اللبنانيون الذين انتفضوا في أواسط القرن 19 بحثا عن حريتهم وجدوا أنفسهم ينتقلون من معركة إلى أخرى , 1840 ثم 1860 ثم 1943 ثم 1958 ثم 1975 , جيلا إثر جيل حاول ضحايا النظام القائم , من كان هذا النظام يضطهدهم , أن يبحثوا عن \"حريتهم\" , تارة في الماضي و تارة وراء البحار و تارة في القومية العربية و تارة في القضية الفلسطينية و دائما في الانتقام من الآخر , الأفقر و الأكثر قمعا و تهميشا في أكثر الأحيان : الفلاح الماروني , اللاجئ الفلسطيني , الفلاح الشيعي و أخيرا العمال السوريون , جيلا بعد جيل وجد اللبنانيون المقهورون أنفسهم و هم يعيدون إنتاج نفس النظام الذي \"ثاروا\" ضده و أرادوا تغييره ..

العراقيون الذين بحثوا عن حريتهم في مواجهة نظام الملكية المتعاون مع الغازي الأجنبي , بحثوا عنها في ما سميت يومها بحركة رشيد عالي الكيلاني , معولين على مساعدة خصوم خصومهم , ثم في نضالات تكاد لا تتوقف و في أحزاب و إيديولوجيات \"ثورية\" , \"انقلابية\" , \"خلاصية\" , ثم في \"ثورات\" تتلوها \"ثورات\" و في حروب تتلوها حروب , و بعد سقوط نظام صدام انخرطت القوى السلطوية المتنافسة في صراعات دموية لإعادة إنتاج نظام صدام لكن برأس شيعي هذه المرة .. و أخيرا جاء الدور على مقهورين آخرين : انضم السوريون أخيرا إلى جيرانهم , إلى تلك القائمة الطويلة من قرابين التاريخ , حلمهم بالحرية في 15 أو 18 آذار 2011 يكاد يصبح كابوسا على يد نظام مجرم و على يد تلك القوى التي انفلتت داخلهم و خارجهم , بينهم و فوقهم بعد أن قرروا بتصميم نادر أن يواصلوا مسيرة بحثهم عن الحرية ..

اليوم يجتمع على أرض سوريا كل شيء ليشارك في صنع التغريبة السورية , أو المأساة الملهاة السورية , كل العالم اليوم يحاول أن يدخل عصرا جديدا من بوابة الألم السوري , و سيبقى علينا أن ننتظر بعض الوقت لنعرف ما الذي سيحصل عليه السوريون مقابل هذا الدم أو ما إذا كانت الأنظمة و القوى السلطوية المتنافسة من خلال الدم السوري قادرة على أن تدفع فاتورة الألم المفروضة على جيل قرر بكل وعي أن يقفز إلى المجهول بكل شجاعة ..

دخل المقهورون السوريون نفق الحرب , حرب لا يملكون أن ينهوها , و لا أن يحسموها , حرب خرجت عن سيطرتهم , و وقعوا هم تحت سطوتها , يتراجع السوريون مرة أخرى أمام قضاياهم الكبرى , لم تعد الثورة أو الحرب نتاج نضالهم , شيئا صنعوه هم بل أصبحت الحرب و الثورة هي التي تصنعهم , لم يعودوا يملكون أن يصنعوا مستقبلهم و لا حاضرهم , لقد أصبحوا مرة أخرى أسرى قضاياهم الكبرى , و قضاياهم الكبرى هذه هي التي عادت من جديد لتصنع حاضرهم و مستقبلهم .. علق السوريون في الفخ , هذا الشرك قوي جدا , لا يقاوم , وقع فيه آخرون من قبل و لم يستطيعوا أن يخرجوا من دائرته حتى اليوم , آخرون احتاجوا إلى ثورة تلو ثورة , إلى حرب تلو أخرى ليجدوا طريقهم خارجه , السوريون اليوم أيضا يصنعون هذا , على طريقتهم ..

لا عزاء في أن يحفظ التاريخ قصص قرابينه أو أضاحيه , لا عزاء في أن تنتج قضية كبرى تلو أخرى , و لا أن تموت من أجل قضية كبرى , العزاء الوحيد لقرابين التاريخ أنهم أول من يتذوق طعم الجديد , مرا كان أم حلوا , أنهم يعيشونه , لا كقصة , بل \"كأبطال\" لتلك القصة ..

التاريخ قصة , و كما القصص يخترع التاريخ الأبطال , هؤلاء ليسوا إلا بشرا عاشوا , حاولوا , و ناضلوا , يفهم البعض هذا خطأ على أنه بطولة , لكنها ليست إلا الحياة , في تجسدها الأجمل , و الأكثر إيلاما , لكن الأكثر شبقا و شغفا و جمالا ربما.

مازن كم الماز
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع المحطة  Copyright   All Rights Reserved - Almahatta.net

الصفحة الرئيسية

من نحن

سجل الزوار

دليل المواقع

اتصل بنا

مدينة القامشلي

صور من القامشلي

رياضة القامشلي

اطفال

نكت

ديانة مسيحية

قصص قصيرة

صور فنانين

هل تعلم؟

سري للغاية!

حوادث غريبة

ذكريات

مذابح

تعليقات الأخبار

تعليقات الزوار

 

عجائب وغرائب

تاريخ

مواضيع اخرى

اغاني MP3

 

Home   الصفحة الرئيسية