آراء حرة

 

العنصرية المعادية للسوريين , و العنصرية المضادة , و موت الأوهام



2014/08/13

أصبح السوريون اليوم , خاصة في أماكن لجوئهم , الهدف الأسهل لعنصرية البلاد التي استضافتهم , و أيضا لألاعيب الساسة و توهيمات المثقفين , بمن فيهم السوريين أنفسهم .. كحال الفلسطينيين على مدى عشرات السنين , توفر آلامهم و دماءهم مادة خصبة للخيال , للتحريض , و للتلاعب بمشاعر الناس , سواء معهم أو ضدهم .. لقد أنتج المخيال المعادي للسوريين , الرسمي و السائد , السياسي و الثقافي , في بلدان اللجوء , كما هائلا من الأوهام و الأساطير عنهم , و صنفهم في نماذج تقوم على التعميم و التبسيط تنسب إليهم أنماط سلوك متخلفة أو إجرامية متأصلة الخ .. و النتيجة المنطقية لهذا التنميط هو تبرير المجزرة التي يتعرض لها بسطاءهم على يد النظام .. و في مواجهة هذه العنصرية ظهرت عنصرية مضادة , أنتجت هي الأخرى أوهامها و أساطيرها عن السوريين , كحالة فوق إنسانية الخ , خاصة عند مقارنتهم "بالشعوب" التي استضافتهم , تستخدم نفس التنميطات و الأفكار المسبقة المهينة لهم بعد أن توجهها ضد "الآخر" .. بعد فترة انقطاع تخللها نقد قاس , عادت مفردات ثقافة البعث للتداول و بنفس الحماسة الممانعجية , لكن من قبل "منظري" الثورة هذه المرة , و عاد السوري من جديد إلى مكانته التي حددتها له ثقافة البعث التي دبت فيها الحياة من جديد : مجرد لا شيء أمام الحضور الطاغي للوطن أو الطائفة أو الأمة أو القضية الخ .. كان فعل الثورة الذي قام به السوريون أجرأ خطوة ممكنة نحو تحطيم أوهام الثقافة السلطوية السائدة , و خاصة تهميشها للأفراد و تشييئهم ( تحويلهم إلى أشياء ) كتبرير لواقع استعبادهم .. لقد فرضت الحرب الدائرة اليوم في سوريا , و نتائجها الكارثية , خاصة نزوح ملايين السوريين عن ديارهم , و شهوة السلطة عند النخب , فرضت منطقها المعاكس .. تقوم ثقافة الحرب , خاصة الحروب الأهلية , على تنميط الخصم بهدف نزع إنسانيته .. و تخلق ثقافة الحرب الأهلية أوهامها و أساطيرها عن "الأنا" و "الآخر" , و رغم منطقية وجود رد فعل على أي فعل , فالمشكلة في الأوهام الجديدة , كما القديمة , ليس فقط في كونها مجرد أوهام أو تزييف للواقع .. ليس للأوهام و الأساطير من هذا النوع , أو أي نوع , أية سمة تحررية , مهما حاولت : الأوهام أيا كانت ليست في النهاية إلا سلاحا لخداع الجماهير , أو وسيلة دفاعية تقوم على خداع النفس .. عندما يرددها "الطيبون" لن تكون تلك الأوهام أكثر من خداع للنفس بحثا عن عزاء ما , و عندما يرددها المهووسون بالسلطة , فإنهم يريدون خداع الآخرين .. على الصعيد النفسي المرضي , من المعروف أن جنون العظمة يترافق دوما مع جنون الاضطهاد .. ليس هذا فقط , بل إن الآلية أو الميكانيزم الأهم لهذه العملية النفسية العقلية المعقدة هي إلغاء أنا الفرد : لا تقوم فكرة "تفوق" مجموعة ما على سواها على احتقار الآخر فقط , بل أساسا على احتقار أنا الفرد و إلغائها , الأنا الخاصة بكل أفراد الجماعة , و تحويل كل فرد من أفرادها إلى رقم , مجرد صورة مكررة عن نموذج محدد سلفا , أي باختصار إلى شيء , أو في الواقع , إلى لا شيء .. كل فرد من هذه المجموعة إذا أخذ بمفرده ليس إلا صفرا كبيرا , لا شيء , كحال أو كحكم كل من يوجد خارجها .. و يستمد كل فرد "أهميته" فقط من استسلامه الكامل للجماعة , للصورة النمطية التي تلقنه إياها عن "هويتها" و عن "الآخر" , و استسلامه الكامل لهرميتها , و كلما اقترب سلوكه و تفكيره من مستوى سلوك و تفكير الروبوت أو الببغاء كلما زاد تقمصه لفكرة تفوق جماعته على من سواها .. دون أن يفقد فرديته و يصبح مجرد رقم من أعداد لا حصر لها عن نموذج واحد يفترض تكراره بكل غباء , لن يمكنه أو يحق له أن يتقمص ذلك الشعور باحتقار و امتهان الآخرين .. باختصار , لم يتغير شيء : الوهم أو الوعي الزائف لن ينتج إلا تحررا زائفا , و ما زال تحطيم الأوهام شرط لا بد منه ليحرر الإنسان نفسه .

مازن كم الماز

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع المحطة  Copyright   All Rights Reserved - Almahatta.net

الصفحة الرئيسية

من نحن

سجل الزوار

دليل المواقع

اتصل بنا

مدينة القامشلي

صور من القامشلي

رياضة القامشلي

اطفال

نكت

ديانة مسيحية

قصص قصيرة

صور فنانين

هل تعلم؟

سري للغاية!

حوادث غريبة

ذكريات

مذابح

تعليقات الأخبار

تعليقات الزوار

 

عجائب وغرائب

تاريخ

مواضيع اخرى

اغاني MP3

 

Home   الصفحة الرئيسية