آراء حرة

 

تعليق على مقال ياسين الحاج صالح : داعش و العالم



2015/12/27

المسلمة المتضمنة في تحليل الدكتور ياسين هو اعتباره الحداثة فعل لنزع الصفة السحرية عن العالم , نزع أسطرة العالم , و أن أسطرة الغرب لداعش هي ردة عن تلك الحداثة , و يربط الحاج صالح أيضا بين فعل أسطرة داعش هذا و بين التوسع الكولونيالي الغربي , الذي اعتبره أيضا مناقضا لنزع السحر الحداثي .. لكن هناك أساس كاف للتساؤل بكل جدية فيم إذا كانت الحداثة و الكولونيالية عمليتان متناقضتان أم متكاملتان , أم أنهما نفس العملية في الواقع ... نقاد الحداثة لم يروا الحداثة كعملية نزع للسحر أو الأسطرة بل كأسطرة للعقل , استبدال للسحر بالعقل كأداة أكثر جدوى في تنفيذ نفس الوظائف التي كانت التمائم و الرقى و "الصلوات" السحرية تستخدم لتحقيقها قبل الحداثة , العقل أداة و ليس غاية , و هو أيضا كوعي و لا وعي كان الفاعل الحقيقي حتى عندما كان الإنسان يستخدم السحر ليواجه العالم أو يحاول تغييره , السحر أيضا نتاج للعقل و بالتالي "عقلاني" بطريقته الخاصة .. أنتجت شعوذة العلماء و السياسيين "الحداثيين" مجازر و آلام و أهوال غير مسبوقة مثل الحربين العالميتين و معهما الحروب الكولونيالية , و أيضا أنتجت شعوذة إعادة الهندسة الاجتماعية و الإنسانية عموما استنادا إلى "قوانين" "عقلية" ظواهر مثل تراكم رأس المال الأولي , المؤلم جدا و المكلف جدا , للشعوب المستعمرة و لأبناء أقنان شعوب المركز الغربي أيضا , تصنيع الاتحاد السوفيتي على يد ستالين و العقد الجديد الكينزي و القفزة الكبرى إلى الأمام الماوية و النيوليبرالية الريغانية - التاتشرية , حتى "القفزات" التكنولوجية الكبرى أنتجت اغترابات جديدة و جوعا حقيقيا , جسديا و روحيا , و شبكة علاقات سلطوية شمولية تضع مؤسسات قمع جديدة بتصرف النخبة الحاكمة منها أساليب "متطورة" لتشكيل الوعي الجمعي و لقمع أي تمرد وصولا إلى أساليب قمع و مراقبة و ضبط مؤتمة و عالية الفعالية , و أنتجت في أطراف النظام الرأسمالي "حداثيين" كأتاتورك و رضا بهلوي و عبد الناصر وصولا إلى أشكالها الأكثر تطرفا كبول بوت .. كورتيز أو الجنرال ماك آرثر لم يختلفا كثيرا عن جنكيز خان و غيره من الفاتحين .. هتلر ذاته ينتمي بشكل من الأشكال لهذه الشعوذة الجديدة , كانت النظرية العرقية تعامل كحقيقة علمية ثابتة في عشرينيات و ثلاثينيات القرن الماضي و حظيت "بقبول" واسع في "الوسط العلمي" سواء في ألمانيا النازية أم في أوروبا و أمريكا ... ليس هناك أي خطأ غير مقصود هنا .. القداسة تحتاج فقط إلى مركز يدور حوله كل شيء , مرجعية لكل ما عداها , تبرر نفسها بنفسها , لكي تبني معابدها و تنتج كهنوتها و أيضا محرماتها , "العقل" , "الإنسان" أو "البشرية" , حتى "الحرية" , أي شيء يمكن أن يكون ذلك المركز , إنها جميعا في جوهرها أديان حقيقية و إن بدت "عقلانية جدا" .. في الممارسة , لم يختلف الدين "العقلاني" عن "الدين الغيبي" أو "السحري" .. القداسة سلطة شمولية في حد ذاتها , و علاقة السلطة بالقداسة علاقة عضوية , علاقة ارتباط عضوي : ليس فقط أن السلطة و القداسة يتكاملان أو يتناغمان , إنهما ينتجان بعضهما البعض , لا يوجدان إلا معا , لا يمكن أن يوجدا إلا معا ... هنا يصبح السؤال : متى نبدأ فعلا نزع أو نفي فكرة و ممارسة القداسة لنحول شبكة علاقات السلطة و إنتاج الوعي القائمة , المركزية , الهرمية , بين سادة و عبيد , حكام و محكومين , إلى علاقة لا مركزية , لا هرمية , بين "بشر أحرار و متساوين" .... و الحرب ضد داعش ( الحرب على الإرهاب ) تشبه جدا الحربين العالميتين و غيرهما من الحروب داخل الغرب الحداثي أو حروبه الكولونيالية لتثبيت الحداثة و تعميمها , و تشبه أيضا الحروب من أجل هذا المقدس أو ذاك ( حروب داعش ليست إلا نسخة "معاصرة" عن حروبنا "الماضوية أو التراثية" : حروب إكراه و نهب كولونيالية قبل حداثية ) , و هي تشبه الحروب الأهلية أيضا بالمناسبة ... حتى أناركي أو لا سلطوي كالأمير الروسي كروبوتكين "وقف يومها إلى جانب الحلفاء" في الحرب العالمية الأولى ظنا منه أن انتصارهم كان لصالح تحرر البشرية , من منا أكبر من الأوهام ؟ ربما كحال فوكو و ما اعتبره ثورة "الآخر" "المهمش" الخمينية ( رغم أن هذا الوصف للثورة الإيرانية الشعبية عام 1979 تبسيطي إلى حد كبير ) ... يبدو أن الحروب ظاهرة عصية على العقلنة , بعيدا عن الصراع البدائي على السلطة و الثروة , لا منطق للحروب , إنها وليدة ظروفها , ابنة جنون و سادية السادة و مازوخية الجماهير و استسلامهم , أما كل ما يأتي بعد ذلك فهو لعبة صدفة غبية .. إذا كان الكاتب يثبت بسهولة هشاشة مزاعم الحداثة الغربية عن نزعها الأسطرة عن الإنسان و العالم , إلا أنه يبقى صامتا عن عملية نزع الأسطرة عربيا أو إسلاميا أو مشرقيا .. إذا كانت عملية نزع الأسطرة ( أو نزع المقدس الأكثر راديكالية و عمقا و إلحاحا ) مبررة و ضرورية فيفترض أن يسري هذا الحكم أيضا على الشرق .. و لا يمكن اعتبار أن عملية نزع الأسطرة منجزة مشرقيا أو غير لازمة , أو ثانوية .. هنا نقف مباشرة أمام مأزق عملية "عقلنة" الشرق , و "عقلنة" وعيه , حيث يبدو أن محاولة فهم داعش و التعامل معها هي جزء مهم من هذا المأزق .. هنا بالتحديد نصل إلى أن النتيجة الأخيرة في تحليل الكاتب صحيحة جدا للأسف على ما يبدو , و هي أن احتواء ظاهرة بخطورة داعش و نتائج الحرب عليها , بكل عبثيتها و فداحتها , ليس له أي منطق أو بعد "عقلاني" , أو "إنساني" , و أنه سيبقى أسير العلاقات و المساومات و التباينات بين القوى المهيمنة , و أن أية "حداثة" أو "عقلنة" أو "عدالة" مفترضة ستحل مكان داعش , هذا في حال سقطت , ستكون في النهاية "عدالة المنتصرين" و مقدسهم أو إيديولوجيتهم , و أن هذا هو أهم مبرر "أخلاقي" و "منطقي أو عقلاني" لوجود داعش و استمرارها ....


مازن كم الماز

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع المحطة  Copyright   All Rights Reserved - Almahatta.net

الصفحة الرئيسية

من نحن

سجل الزوار

دليل المواقع

اتصل بنا

مدينة القامشلي

صور من القامشلي

رياضة القامشلي

اطفال

نكت

ديانة مسيحية

قصص قصيرة

صور فنانين

هل تعلم؟

سري للغاية!

حوادث غريبة

ذكريات

مذابح

تعليقات الأخبار

تعليقات الزوار

 

عجائب وغرائب

تاريخ

مواضيع اخرى

اغاني MP3

 

Home   الصفحة الرئيسية