آراء حرة

 

قراقوش و صلاح الدين و هوسنا الهوياتي


 
2019/02/03

نحن شعوب غارقة في ذكوريتها لكننا و للسخرية نقدس حكامنا لدرجة أن الخصيان حكمونا طويلا ( أقصد حكموا أجدادنا , و أعني بالخصيان : الخصيان الفعليين لا المثليين أو المتحولين جنسيا ) .. لم تكن الحاجة للخصيان مقتصرة على الشرق وحده , صحيح أن أول الخصيان ظهروا هنا لكن هذا كان إلى جانب أشياء كثيرة كالصولجانات و القوانين و الأساطير و السجون و الجيوش و المعابد و عجائب الدنيا السبع .. سرعان ما ظهر الخصيان في القصور اليونانية ثم الرومانية و وصلوا حتى الشرق الأقصى ..
كان العثمانيون خاصة مهووسين بالخصيان هوسهم بعفة حريمهم و جواريهم لدرجة أنهم عينوا الخصيان ليكونوا سادة قصورهم و حراسا لحريمهم و أن منصب كبير الخصيان السود كان أحد أهم مناصب الحاشية و أنه كان رئيس جهاز مخابرات متكامل مخصص لمراقبة حريم السلاطين و قد لعب أحدهم دورا رئيسيا في نشر و فرض المذهب الحنفي في الامبراطورية ..
أحد أهم هؤلاء الخصيان الذين حكموا الشرق كان قراقوش , الخصي الرومي الذي فر من بلاده إلى بلاط عماد الدين الزنكي الذي قربه و اصطفاه و دربه ..
في بلاط الزنكي سيصبح اسمه بهاء الدين بن عبد الله الأسدي , ابن عبد الله لأن أباه لم يكن مسلما و الأسدي نسبة لأسد الدين شيركوه سيده الجديد .. و ارتقى "الرجل" في الدولة حتى أصبح أميرا للجيش .. إليكم واحدا من أجمل المقاطع الذي يدل على "سماحة الإسلام" في التعامل مع هؤلاء "العبيد" , أكثر من سماحته مع المسلمين العاديين أنفسهم ( سماحة جنرالاته و سلاطينه و جلاديه , و طبعا و من دون شك رجال دينه ) : "و هكذا كان "المسلمون" يصنعون بمن في أيديهم من المماليك : ينسبونهم إليهم و يعطفون عليهم و يعنون بهم عناية تزيد أحيانا على عنايتهم بأولادهم و ذوي قرابتهم و يخلقون منهم رجالا عظماء ينفعون البلاد و يكونون سببا في عظمتها و رفعة شأنها و يجلبون الخير كل الخير لمواليهم و سادتهم فلا يسع هؤلاء الموالي أو السادة إلا أن يردوا عليهم حريتهم و يعتقوهم لوجه الله و الوطن و الإنسانية" .. يشبه هذا الكلام افتتاحية لجريدة البرافدا أيام ستالين أو خطبة للجمعة في رقة داعش أو قندهار طالبان أو افتتاحية لجريدة البعث الصدامية أو الأسدية و يفترض أن يرافقه هتاف الله أكبر أو بالروح بالدم و غيرها من الهتافات التي وحدت كل الأحزاب الشمولية الهوياتية في شرقنا ..
كان قراقوش جنديا قويا مطيعا ينفذ الأوامر بحذافيرها لدرجة الغباء لهذا نال "الرجل" حظوة عند صلاح الدين الذي كلفه بتنفيذ الأوامر التي لا يمكن لبشر عاديين تنفيذها , اقرأ بشر عاقلين ..
نحن أكثر تقديسا لحكامنا من أن نحاسبهم على أفعالهم و كما في أي نظام فكري شمولي لا وجود لأخلاق عامة , هناك أخلاقهم و أخلاقنا , إن أشنع المؤامرات و أخس الأفعال تصبح مبررة و ضرورية إذا "فعلناها" و أي شيء يفعله الخصوم يصبح مؤامرة خسيسة بغض النظر عن أية أخلاق .. إذا خان صلاح الدين سيده فهذا فعل مجيد و إذا أمر بقتل شهاب الدين السهرودري فلا بد أنه محق و إذا استباح أقباط الصعيد فلا شك أنهم مجرمون و إذا منع تناسل نساء و رجال الفاطميين فلا شك أن نسلهم كان يجب أن ينتهي و إذا حاول أحدهم الدفاع عن نفسه فالويل و الثبور , يكفي أن يكون "الخصوم" , المقتولون , المسحولون , من الشيعة , اليهود , أو الغولاغ , ليصبح القتل مستحقا , ضروريا , عادلا ..

 في لحظة فاصلة , كان كل شيء فيها يتوقف على من يسيطر على خزائن القصر الفاطمي كلف صلاح الدين خادمه قراقوش بمهمة حراسة تلك الأموال , مهمة لا يمكن أن يقوم بها إلا شخص لا يعرف إلا السمع و الطاعة فقط , الخادم الغبي القوي هو الذي سيلعب الدور الأهم في نجاح انقلاب صلاح الدين .. عندما دخل قراقوش مخزن القصر فوجئ بما فيه من ذهب و جواهر و تحف , وحده قراقوش سيحافظ عليها ليعطيها "لصاحبها الشرعي" صلاح الدين .. ثم سيأتي دور مهام أخرى , قلعة الجبل , سور القاهرة , أبراج عالية منيعة , مهمة لا يمكن أن يقوم بها إلا خادم مطيع ابله لا يفقه سوى أوامر سيده فيجبر آلاف الأسرى و المصريين على الكدح ليل نهار لبناء أهرامات الفرعون الجديد .. ثم مهمة أخرى مستحيلة لا يمكن أن ينبري لها إلا قراقوش : حصار عكا , فيجبر الناس على ما لا يطاق من جوع و حصار و قتال بقسوته و غبائه , تماما كما افترض هتلر من مارشالاته و توقع ستالين و صدام من جنرالاتهم .. و أخيرا سيسقط الخادم "الشجاع" : سيأسره الأعداء و سيفتدي نفسه بأمواله لا بأموال سيده ..

و يموت الزعيم المفدى , فوهرر أجدادنا , و ينقل الخادم المطيع ولاءه لابن سيده و وارث عرشه : العزيز و تشتد العداوة بين فرقتين من مماليك والده , الأسدية ( نسبة لأسد شيركوه ) و الصلاحية ( نسبة لأبيه ) و يمالئ العزيز مماليك والده و يلعب الخادم المطيع دورا مهما , كعادته , في تخليص سيده من "مؤامرات" مماليك عمه .. و يموت العزيز و ابنه المنصور يبلغ تسع سنين فمن أفضل من الخادم الأبله ليكون وصيا لكن مؤامرات القصور كانت أكبر من إمكانيات "الرجل" الذي لم يكن قادرا و لا مدربا على فهمها أو مواجهتها فيفقد حظوته عند أسياده و يبقى في الحاشية مجرد خادم مطيع حتى مات ..

مازن كم الماز

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع المحطة  Copyright   All Rights Reserved - Almahatta.net

الصفحة الرئيسية

من نحن

سجل الزوار

دليل المواقع

اتصل بنا

مدينة القامشلي

صور من القامشلي

رياضة القامشلي

اطفال

نكت

ديانة مسيحية

قصص قصيرة

صور فنانين

هل تعلم؟

سري للغاية!

حوادث غريبة

ذكريات

مذابح

تعليقات الأخبار

تعليقات الزوار

 

عجائب وغرائب

تاريخ

مواضيع اخرى

اغاني MP3

 

Home   الصفحة الرئيسية