آراء حرة

 

بين الاستشراق و الشرق



مازن كم الماز 2019/08/19

في الاستشراق يتحدث سعيد عن نقطة واحدة فقط , أنه على الغرب أن يفهمنا بشكل صحيح و أن يتعاطف معنا بشكل إنساني .. لا يتحدث سعيد عنا أبدا , إلا طبعا كبشر نساوي سادة العالم في الغرب , دون أن يحتاج ليقدم أية حجة أو مبرر عن كل فرضياته تلك و لا حتى ليحتاج إلى القول بأن البشر هم سواء فعلا .. لكن , بالفعل , لماذا على الغرب أن يكون موضوعيا معنا بالذات , لماذا على الغرب أن يفهم الإسلام و يدرسه دراسة و فهما موضوعيين و يتيح المنابر فقط لأولئك الذين يعرفونه كما نريد نحن لهم أن يعرفوه لا لمن يتحدث باسم مصالحهم أو الذين قد يكرهوننا أو يحتقروننا , لماذا على البشر أن يكونوا موضوعيين تجاه بعضهم , بل تجاه أغراب عنهم هل نحن , أو سعيد نفسه , موضوعيون تجاه الغرب أو تجاه كل البشر على هذه الأرض , تجاه الزنوج أنفسهم أو تجاه زنوجنا نحن : الأكراد و الأمازيغ و الأقباط , أو تجاه هنودنا الحمر : الأرمن و الآشوريون , البنغال و الهندوس بالنسبة لإخوتنا في باكستان و أهل تيمور الشرقية بالنسبة لإخوتنا الإندونيسيين , هذا ما لا يحتاج سعيد و لا أيا منا للإجابة عنه أو للالتزام به , إنه و نحن معه لا ننطق و لو بحرف عن أية موضوعية نفرضها على أنفسنا لا تجاه الغرب و لا تجاه أي بشر آخرين مثلا عندما يطالب إخوتنا الفلسطينيين يهوديا أو أمريكيا أن يعترض على جرائم دولته أو جماعته ( قبيلته , عشيرته , قطيعه ) بحقهم هم يفترض أن يعني هذا أنهم هم أيضا سيعترضون على مثل ذلك إذا صدر عن واحد من قبيلتهم , جماعتهم , عشيرتهم بحق شعب أو جماعة أخرى .. عندما تسمع إخوتنا الفلسطينيين يهيء لك أنهم بمجرد أن يسمعوا عن احتلال جماعة من الغرباء لأرض ليست لهم و طردهم لأصحابها الأصليين فإنهم سينضمون فورا للدفاع عن هذه الأرض و عن أصحابها .. حقا , ترى ماذا قالوا يومها عن حلبجة , الأنفال , عفرين , حماة , النجف , كربلاء , تيمور الشرقية , جرائم الباكستانيين بحق البنغال .. عندما يلوم أحرار السنة في سوريا آدونيس مثلا على عدم وقوفه ضد طائفته العلوية و جرائمها ضد أهلهم السنة فهذا يفترض أن يعني أنهم هم أيضا مستعدون للاعتراض عن جرائم إخوتهم في عفرين و الساحل و عدرا و عن التهجير القسري في ادلب و رقة داعش .. للأسف نحن لا نكذب على الآخرين بقدر ما نكذب على أنفسنا , نحن في الواقع عراة أمام الآخرين كما أمام أنفسنا بالطبع , إن كلامنا مثير للسخرية أكثر مما هو مثير للشفقة , و عجزنا و عرينا مكشوفين أمام العالم , النخبة الليبرالية وحدها تستمع لنا و تصدق بعض ما نقول و تبتلع الباقي خوفا من تقدم أولئك الذين يزداد كرههم لنا يوما بعد يوم .. لم يناقش سعيد أبدا الفرضيات التي بنى عليها كتابه , التي هي في الواقع مقدمات غربية , غريبة عنا , جزء مما نرفضه و نسعى إلى تجريمه و تحريمه و القضاء عليه إن استطعنا إلى ذلك سبيلا .. إننا نحقد على الغرب و نحسده في نفس الوقت لأننا لا نستطيع أن نصير مثله , إننا ننفث الكراهية في كل دقيقة ضد سادتنا و عبيدنا في نفس الوقت , لا أعرف إلى أية درجة نحلم بإبادتهم جميعا لكن هذه الفانتازيا قد وجدت في إهلاسات محمد و تلامذته منذ زمن و يرددها أكثرنا كل يوم جمعة و آخرون كل دقيقة تقريبا و نجترها بأشكال مختلفة إسلاميين و ليبراليين و قوميين و ماركسيين , إن قصائدنا في الحقد و الكره ليست فقط قمة في البلاغة بل أيضا قمة في الانحطاط , كنا قد حملنا معنا طويلا حلم الأبوكاليبوس و هرمجدون و ذبح العجل المقدس و تعذيب كل خصومنا إلى الأبد دون أية رحمة أما اليوم فقد أصبحنا أنبياء هرمجدون الكبرى , الأبوكاليبوس , ليس فقط بسبب كآبة محمد أو عجز ابن تيمية الجنسي , بل لأننا أمام مهمة انتحارية في الواقع لا حل لها إلا بموت جماعي لكن كي لا أفهم خطأ فإني لا أنتقد أحدا هنا و لا أرغب في تغيير أي شيء في هذا العالم أو أن أعيش في عالم آخر أو في زمان آخر و لا أتألم من كل هذا الهراء عن كراهية الآخر الممتزج بمازوخية الضحايا و لا من مشاهد الرؤوس المقطوعة أو الأشلاء المحترقة و لا هستيريا القطيع أو عربدة القتلة .. إن بارانويا الضحية و جنون كراهية الآخر و تكفير الإنسان و انتهاكه حتى ذبحه و سحله هي كالموسيقا العذبة على أذني , يا لها من فرجة بل يا لها من متعة , يا له من حظ استثنائي أن تشاهد كل ذلك , حتى أفخم استدويوهات هوليود أو ما كان قد يكون لم تكن لتنتج فيلم رعب رائع عن نهاية العالم كهذا .. يشعرني غثاء القطيع و عواء كلاب الرعاة بالنشوة و صرخات القتلة و القتلى الحقيقية أو المتخيلة تبعث في نفسي الفخر و سرورا لا يوصف , بل إنه الشيء الوحيد الذي يبعث على المتعة في هذا العالم بعد أن فقدنا كل أحلامنا أو أوهامنا و وقفنا عراة أمام أنفسنا و نحن في قمة فهمنا لحقيقة تفاهتنا و تفاهة أحلامنا و تفاهة وجودنا في هذا العالم , لا أجمل من هذا المنظر و من هذا الشعور , أنكم تسيرون مباشرة إلى هناك , حيث ينتظرنا عدم لا نهاية له , المجد للجنون , المجد للهستيريا , المجد للموت و تقطيع الأوصال , المجد للقتلة الذين لا يرحمون طفلا و لا شيخا و لا امرأة , إنها ليست قيامة جديدة للبرابرة , إنها ليست عاصفة جديدة من الدماء و الأشلاء و الصرخات المرعبة و صهيل خيول الغزاة التي تجتاح العالم , بل إنه على ما يبدو مشهد النهاية , و ما يهم إذا كانت النتيجة هي الموت أن يكون القتلة و ضحاياهم واعين بما يفعلونه أم لا , فغدا سيحصلون على حورياتهم و على لبنهم و عسلهم في قلب العدم , غدا سيمجد العدم وحده كل ما قدسه البشر , و هذه هي القداسة الحقيقية في هذا العالم الساخر حتى الثمالة , قداسة القبور التي طواها النسيان .. لن أنسى ما حييت ذاك اليوم في سورياهم الحرة , عندما تحدث مقاتلون أمامي عن كيف كانوا يعصبون أعين أسرى جنود النظام و يقولون لهم أنهم أمام حاجز لجيشهم الأسدي , فيركض هؤلاء تحت التهديد بإطلاق الرصاص و وسط ضحكات هستيرية طالما حاولت تخيلها , ليسقطوا في واد سحيق .. من يومها أدركت أننا جميعا نركض إلى هناك , أنها طريقتنا الوحيدة في القفز عاليا و الطيران في الهواء .. هيا أيها الأبطال , إذا كان علينا أن نموت فلنأخذ معنا العالم ..


 

جميع الحقوق محفوظة لموقع المحطة  Copyright   All Rights Reserved - Almahatta.net

الصفحة الرئيسية

من نحن

سجل الزوار

دليل المواقع

اتصل بنا

مدينة القامشلي

صور من القامشلي

رياضة القامشلي

اطفال

نكت

ديانة مسيحية

قصص قصيرة

صور فنانين

هل تعلم؟

سري للغاية!

حوادث غريبة

ذكريات

مذابح

تعليقات الأخبار

تعليقات الزوار

 

عجائب وغرائب

تاريخ

مواضيع اخرى

اغاني MP3

 

Home   الصفحة الرئيسية