ملحمة جلجامش

 حكاية ملحمية تنقل القارئ لفضاءات متخيلة

زيارة إلى متحف اللوفر توحي بالكتابة عن جلجامش

 

سيدني: خالد الحلي

في مقدمته للطبعة الرابعة لملحة «جلجامش»، أكد الباحث الأثري العراقي الراحل طه باقر، أن هذه الملحمة هي أقدم نوع من أدب الملاحم البطولية في جميع الحضارات، وأنهشا أطول وأكمل ملحمة عرفتها حضارات العالم القديم، وليس هنالك ما يقرن بها أو ما يضاهيها من آداب الحضارات القديمة قبل الإلياذة والأوديسة في الأدب اليوناني، وقد ظهرت هاتان الملحمتان بعدها بثمانية قرون. وأبعد من ذلك ذهب إلى أنه لو لم يأتنا من حضارة وادي الرافدين، من منجزاتها وعلومها وفنونها، شيء سوى هذه الملحمة، لكانت جديرة بأن تتبوأ تلك الحضارة مكانة سامية بين الحضارات العالمية القديمة.
هذه الملحمة التي دونت قبل أكثر من أربعة آلاف سنة ما زالت مثار اهتمام واسع على صعيد عالمي. ولدى زيارته جناح الآثار العراقية في متحف اللوفر بباريس، ومشاهدته تمثالا لجلجامش وهو يحمل أسدا وأفعى يعود إلى القرن الثامن قبل الميلاد، تبلورت في ذهن الدبلوماسي المغربي عبد القادر الجموسي فكرة استيحاء الملحمة عبر عمل لا يكون ترجمة لما جاء في الألواح السومرية الأحد عشر، بل باعتماد صياغة أدبية حديثة لحكاية الملك جلجامش، صياغة تحتفظ للنص الأصلي بعناصره الأساسية ومخزونه الثقافي الحضاري. كما تغامر في اتخاذ خيارات سردية وجمالية تمنحه حيوية راهنة ونكهة ذاتية تخاطب القارئ المعاصر وتستجيب لأفق انتظاره الفني; وتتعمد أحياناً إرباكه بشحنة خيالية مغايرة للمألوف تزج به في فضاءات متخيل قديم متواصل ومتجدد.
وإذ يؤكد أن ملحمة «جلجامش» هي وثيقة إنسانية كونية بامتياز، فهو يرى أن نص الملحمة المتعارف عليه Standard Version، وهي الأطول والأكمل من نوعها حتى الآن، قد صيغ بطريقة بديعة حملت لنا عبر العصور والأزمنة المتعاقبة علامات بارزة عن القدرة الابتكارية في التوليف والسرد والبناء الدرامي والإيحاء الرمزي التي كان يتمتع بها الكاتب/الناسخ العراقي القديم; كما عكست لنا بأسلوب فني شيق، وببراعة مدهشة، شواغله الوجودية ورؤيته للحياة والموت والجمال والخير والعدل.
لقد عمد الجيوسي في تدوين حكايته الملحمية إلى بث نفحات ذاتية تأملية من ذائقته الفنية وتجربته الشعورية الخاصة التي تتماشى مع روح الملحمة منطلِقاً من صميم علاقته الخاصة مع الكلمة والفكر والحياة. وهو يقول انه تجرأ «على ملء فضاءات ما تزال مهمشة أو ناقصة ـ حسب رأي أهل الاختصاص في الحفريات ـ لكنها مع ذلك تسبغ جسد الملحمة بمسحة من الغموض والإبهام الجليل الملهم والمستفز للخيال والإبداع. وكأن الملحمة تريد من خلال هذا البياض المؤجل والسكوت المحرض أن تستفيد من لعبة الغياب والمنسوخ لتعيد كتابة نفسها بشكل إبداعي متجدد يجعلها على اتصال وتفاعل حواري حيوي مع حساسيات الأجيال المتعاقبة إلى يومنا الراهن».
لقد حاول المؤلف أن يتخلص من قيود الترجمة التي قد تفرض ثقلها على نص شعري قديم، واستعان بأهم محاورها لتدعم النص الذي كتبه. وبالعودة إلى ترجمة طه باقر نجد أنه عنون الفصل الأول منها بـ«جلجامش وأنكيدو»، واستهله بالمقطع التالي: هو الذي رأى كل شيء فغنّي بذكره يا بلادي/ وهو الذي رأى جميع الأشياء وأفاد من عبرها/ وهو الحكيم العارف بكل شيء:/ لقد أبصر الأسرار وكشف عن الخفايا المكتومة/ وجاء بأنباء ما قبل الطوفان/ لقد سلك طرقاً بعيدة متقلباً ما بين التعب والراحة/ فنقش في نصب من الحجر كل ما عاناه وخبره.
إلا أن الكاتب وخارج تصرفه الشكلي بالنصوص الشعرية، دوّن الجانب السردي بتصرف أوسع، وكتبه بلغة اليوم، وكأنه شاهد بنفسه أحداث الملحمة تجري الآن وكتب عنها، مع التمسك بالمضامين والسياقات العامة لها. وبالإضافة إلى فصل الاستهلال، واصل سرد حكايته الملحمية عبر أربعة فصول أخرى، وقد حمل الفصل الثاني عنوان «جلجامش وأنكيدو: الميثاق المقدس»، وتضمن ثلاثة أجزاء هي: جلجامش ملك أوروك ـ مجيء أنكيدو ـ مصرع همبابا الرهيب. وجاء الفصل الثالث تحت عنوان «لعنة عشتار»، وتألف من جزأين هما: عشتار والثور السماوي ـ موت أنكيدو. وأطل علينا الفصل الرابع «تغريبة جلجامش: رحلة البحث عن الخلود»، متضمنا الأجزاء الثلاثة التالية: البشر.. العقارب/ سيدوري صاحبة الحانة/ أورشنابي عابر بحر الموت. أما الفصل الخامس والأخير «أوتنابشتم يحكي قصة الطوفان»، فقد تألف من ثلاثة أجزاء كالتالي: لقاء جلجامش وأوتنابشتم ـ قصة الاختبار والعودة.
في الفصل الأخير يلخص الجموسي محنة جلجامش وخيبة مسعاه وعدم يأسه في آن. لقد حصل على نبتة الخلود من أوتنابشتم الذي اختبره بأن ينام ستة أيام كاملة من دون أن يحرك ساكناً، وذلك بعد مخاضات ومغامرات عسيرة ومميتة شهدتها رحلته الجريئة، فقد خلالها صديقه أنكيدو. وقد طلب أوتنابشتم إلى أورشنابي أن يقود سفينة تحمل جلجامش إلى أرضه الأولى. وكان جلجامش، وهو يحمل معه نبتة الخلود، يقول لرفيق عودته وهو ممتلئ بالغبطة والزهو: «إن هذه النبتة تطيل عمر الإنسان وتعيد إليه عنفوان الشباب.. سأحملها يا أورشنابي مفاخراً بها أبناء شعبي فأجدد لهم نضارة أيامهم وأعيد إليهم نكهة الحياة.. وحين أشيخ بدوري سأتناول منها لأستعيد شبابي ومجدي».
جلجامش الكاتب: عبد القادر الجموسي

 

الشعر الموزون في ملحمة كلكامش

 

يقول N.K.SANDARS في كتابه "ملحمة جلجامش": "إنّ نسخة ملحمة جلجامش المدوّنة باللغة الآشورية مكتوبة بشعرٍ موزونٍ حرّ، وفي كلّ شطرٍ منه أربع نبرات، أو وحدات إيقاعية. بينما النسخة المكتوبة باللغة البابلية القديمة، فأشطرها أقصر، ولكلّ شطرٍ وحدتان إيقاعيتان. يضعنا SANDARS منذ البداية أمام ضرورتيْن: الأولى تعيين لغة النصّ، وثانياً قراءة النصّ إمّا بلغته الأصلية أو عن طريق ما يُسمّى باللغة الإنكليزية: TRANSLITERATION أيْ نقل أصوات حروف لغة إلى لغةٍ أخرى.
هناك عدّة دراسات باللغة الإنكليزية عن الوزن الشعري في ملحمة جلجامش، لكنّها ، والكلام لا يخلو من التظنّن والترجيم من طرفي، تقطّع الشعر على غرار تقطيع الشعر الإنكليزي أوّلاً، وثانياً تستدلّ على توكيد المعاني أو عدمهِ عن طريق الحروف الصحيحة وحروف العلّة،

كما فعل MORAN مثلاً في كتابه:" A MESOPOTAIMIAN MYTH” (أسطورة من بين النهرين)، فحلّل نموذجاً شعريّاً قديماً من غير ملحمة جلجامش(ص 61). تحليل طريف لا ريب، إنْ صحّ. لا ضرر. لكن من الأفضل ألاّ يغيب عن البال أنّ موسيقى الحروف، أو دلالاتها تختلف من لغةٍ إلى أخرى.

حاول طه باقر أن يدلوَ بدلوه في هذا الباب، فكتب نبذة مطوّلة نسبياً عن الوزن في الملحمة، ربّما تقليداً للباحثين الغربيين، ولكن دون أنْ يدلّنا على تفعيلة واحدة. لم يمسّ طه باقر الوزن السومري، فاقتصر على " الشعر البابلي أيْ الشعر الذي نظمه شعراء العراق القديم باللغة الأكدية ( البابلية والآشورية) ". يتردد مصطلح "الشعر البابلي" كثيراً لدى طه باقر، ولكن لا نلمس تفريقاً في كلامه، بين الشعر البابلي والشعر الآشوري من حيث الوزن" كما رأينا أعلاه لدى SANDARS . يقول طه باقر بعد ذلك :"يعتمد الوزن، أي العروض، في الشعر البابلي مثل أشعار بعض الأمم الأخرى، كالشعر العربي واليوناني واللاتيني وغيرها على مبدأ تجزئة الكلمات إلى مقاطع SYLLABLES التي تتناوب ما بين المقاطع الصغيرة والمقاطع القصيرة أيْ بحسب مصطلحات العروض العربي "الأوتاد" والأسباب التي أساسها الحركة والسكون وفي بعض الأشعار الأخرى النبرات أيْ التشديد أو التخفيف ACCENTED, UNACCENTED وبجمع عدّة مقاطع يتألف ما يصطلح عليه في الشعر العربي "التفعيلات" أيْ ما يضاهي FOOT)) في الشعر الإنكليزي. ثمّ بجمع عدّة تفعيلات يتكوّن شطرا البيت. وعلى هذا الشكل جاء إلينا الشعر البابلي". (ص 32). هذا تعميم ومطلسم قليلاً ولا شكّ إن المعنى في قلب الشاعر. هل تعرّفنا على أيّ وزن في الشعر البابلي من خلاله؟ ما علاقة الشعر اليوناني والشعر اللاتيني بالشعر البابلي وزناً؟ بالطبع، ما أفادنا به طه باقر هو نقل بعض الأشعار القديمة بأصواتها الأصلية، ولكنْ بحروف عربية. من ذلك مثلاً، خطاب سيدوري صاحبة الحانة إلى جلجامش :
"سابينُم أنّا شاشمْ أزْكرّا أنا كلكامش
كلكامش ايشْ تَدال
بلْطمْ شا تَسخوّرا لا تُنَّا
حِنُما ايلاني ابْنو أويليتمْ
ماتَمْ أشْكونو أنا أويليتمْ
بلْطمْ أنا قاتيشوتو اصبطو
انّا كلكامش لو ملئي كرَشْكا
اورى وموشي خِدّادو أنّا"

فيما يلي التقطيع العروضي للأبيات أعلاه:

سا بي/ نمْ أنْ/ نا شا/ شمْ أزْ / كرْ را / أن نا / كلْ كا/ مشْ
- - / - -/ - - / - - / - - / - - / - -/ -
كلْ كا / مشْ ايش / تا دالْ /
_ _ / _ _ / _ _ /
بلْ تمْ / شا تسْ / خو را/ لا تنْ / نا
_ _ / _ _ / _ _ / _ _ /
ح ن ما / أي لا/ لي أبْ / نو آ / وي لي / تمْ
= = - / - - / - -/ - - / - - / -
ما تمْ / اش كو / نو آ / وي لي / تمْ
- -/ - - / - - / - -/ -
بلْ طمْ / آ نا / قا تي / شو عصْ / صبْ تو /
- - /- - / - - / - - / - - /
أتْ تا / كلْ كا / مش لو / ما لي / كرْ شكْ / كا
- -/ - -/ - - / - -/ - - / -
أو ري / أو مو / شي هدْ / دا دو / أتْ تا /
- -/ - - / - - / - - / -

فيما يلي الترجمة العربية:

"يا كلكامش إلى أين أنت سائر
لن تجد قطّ الحياة التي تنشد
فالآلهة حينما خلقوا البشر
كتبوا عليهم الموت
واحتفظوا بالخلود لهم
يا كلكامش دعْ معدتك تكون ممتلئة
وانشرحْ ليل نهار"

من التقطيع أعلاه، نتعرف على جملة من الحقائق، منها:
1- يتفاوت عدد التفاعيل من شطر إلى شطر.
2- وفقاً لذلك التفاوت لا يوجد شطران.
3- يحتوي الشطر الأوّل على سبع تفاعيل، مع زيادة مقطع، بينما يحتوي الشطر الذي يليه على أربع تفاعيل.
4- تتكرر زيادة مقطع في الأشطر التالية: الثالث والرابع والخامس والسابع.
5- كلّ التفاعيل على وزن فِعْلُنْ ما عدا التفعيلة الأولى في السطر الرابع، فقد جاءت على وزن فَعِلُنْ ربّما سببها نطقنا غير السليم للكلمة.

عند مراجعة الأمثلة الأخرى التي أوردها طه باقر ،وتلك التي أوردها المترجمون الإنكليز، يظهر أنّ كلّ التفاعيل على وزن فِعْلُنْ. على ضوء تلك الأمثلة، لا يساورني الشكّ أنّ ملحمة كلكامش مكتوبة على بحر الخبب، وتفعيلته الأساسية إمّا فِعْلُنْ أو فَعِلُنْ. بحر الخبب كما هو معروف متولد من بحر المتدارك وتفعيلته :فاعِلُنْ وحين يصيبها الخبن تصبح : فِعْلُنْ أوفَعِلُنْ
ثمّة أسماء عديدة وكلُّها طريف لبحر الخبب. منها: الرقّاصات، وضرب النواقيس، وقطر الميزاب. ( ممدوح حقّي – العروض الواضح) (ص 78-79).
من أشهر القصائد على هذا البحر، قصيدة أحمد شوقي:

مضناكَ جفاهُ مرقدهُ وبكاهُ ورحّم عُوّدُهُ
حيرانُ القلب معذّبهُ مقروحُ الجفن مسهّدهُ
 

 

سوسيولوجية ملحمة جلجامش



شغلت الملحمة بفكرة أو موضوع أساسي هو البرهان بأسلوب مؤثر علي حتمية الموت علي البشر حتي بالنسبة إلي بطل مثل جلجامش الذي ثلثاه من مادة الآلهة الخالدة ثلثه الباقي من مادة البشر الفانية ،لأن كما جاء في الملحمة، إن الآلهة قد استأثرت بالحياة وقدرت الموت علي نصيب البشرية ولكن أليس هذا من البديهيات لدي جميع البشر؟ أليست حقيقة الموت لا تزال تتكرر ليل نهار في حياة الإنسان منذ أن وجد علي هذه الأرض قبل اكثر من مليون عام؟ إذاً فما وجه الجدة والأصالة في عرض مسألة الحياة والموت والبرهنة علي حتمية الموت في ملحمة جلجامش؟ الواقع أن ظاهرة الموت المتكررة المعادة برغم كونها من البديهيات لدي العقل الواعي والتفكير المنطقي إلا إنها مازالت لغزا محيرا لعاطفة الفرد وأحاسيسه ورغباته وغرائزه الحياتية وهي موضع حيرة أليمة في قرارة كل نفس بشرية وتزداد عمقا وألما كلما شارف الإنسان علي أبواب الشيخوخة. (1،ص21).

وقد عالجت الملحمة مسالة الموت وأبعادها علي لسان بطل الملحمة جلجامش الذي كان كما وصفته كامل الجمال والقوة ؛ بطل مدينة أوروك وكان فتك سلاحه لا يصده أحد وكان لا يترك خطيبة البطل ولا ابنة المقاتل ولكنه كان السور والحمي لمدينة أوروك سخر أبناءها لبنائها علي صوت الطبول.

كان يثير الرهبة لدي أهالي أوروك الذين شكوا حالهم إلي الآلهة ـ ولغرض تحويل طاقات جلجامش الفائضة، فان الآلهة خلقت ما يماثله، وهو أنكيدو الرجل المتوحش الذي تربي بين حيوانات البرية وقد شاهد أحد الصيادين أنكيدو فاغرا فاه بوساطة بغي فأبعده عن قطيع الحيوانات وقد أبانت له البغي مفاتنها لغرض استمالته واصطحابه إلي اوروك إذ كان جلجامش قد رآه في الحلم مسبقا. بعد إن خطط لمجيئه إلي اوروك بأمر الآلهة عشتار.

لقد خلقت الآلهة أنكيدو من قبضة من طين (الآلهة أرورو) ورمته في البرية وهو نسل ننورتا إله الحرب والصيد.

وكان مجيئه إلي اوروك ولقاؤه مع جلجامش يمثل أول نقلة حضارية للإنسان الرافديني من حياة البداوة إلي حياة المدن والاستقرار وقد لعب الجنس دوره في ترويض انكيدو بعد أن كشفت البغي أمامه مفاتن جسمها فبعثت فيه الهيام وتعلم الوحش الغر فن وظيفة المرأة.

كان اللقاء بين جلجامش وأنكيدو في البدء جسديا إذ تصارعا وخارا خوار ثورين وحشيين وبعد برهة قصيرة وجد جلجامش في أنكيدوا ما يكمل شخصيته فتحول الصراع الجسدي بينهما إلي صداقة ومودة حدد للإنسان الرافديني مسارات جديدة ذات أهداف سامية جاء علي لسان جلجامس:

يا أمي لقد رأيت في الليلة الماضية حلما

رأيت أني أسير مختالا بين الأبطال

فظهرت كواكب السماء

وقد سقط أحدها ألي وكأنه شهاب السماء ((آنو))

أردت أن أرفعه ولكنه ثقل عليً

وأردت أن أزحزحه فلم أستطع أن أحركه

تجمع حوله أهل بلاد أوروك

أزدحم الناس حوله وتدافعوا عليه

وأجتمع عليه الأبطال

وقبل أصحابي قدميه

أحببته وانحنيت عليه كما أنحني علي امرأة

فجعلته نظيرا لي

وقال أنكيدوا لجلجامش:

أنك الرجل الأوحد، أنت الذي ولدتك أمك

(ننسونا) البقرة الوحشية المقدسة

ورفع ((إنليل)) رأسك عاليا علي الناس

وقدر إليك الملوكية علي البشر

وكان نتيجة هذه العلاقة أن أتفق الاثنان علي اكتشاف المجهول في غابات الأرز البعيدة وكانا في رحلتهما يرميان إلي قتل العفريت خمبابا رمز الشر واستشراق المستقبل وتحدي المجهول جاء علي لسان شيوخ أوروك:

أيها الملك كنا نطيعك في مجلس الشوري

فاستمع ألينا وخذ بمشورتنا أيها الملك

لا تتكل علي قوتك وحدها يا جلجامش

دع أنكيدو يسير أمامك فأنه يعرف الطريق وقد سلكه

وبذلك فأن هذا التنظيم يعني قدرة العقل العراقي القديم علي مطاوعة العمل الجمعي المنظم إذ قطع جلجامش وأنكيدو مدي شهر ونصف الشهر في ثلاثة أيام وانطلقا سائرين خمسين ساعة مضاعفة في أثناء النهار فدخلا الغابة بعد وصف يطول إذ أسرع الصديقان وهجما علي العفريت خمبابا وقتلاه، وعلي الرغم من إن هذا العمل قد أغاظ الآلهة إلا أن البطلين عادا إلي أوروك في وسط احتفال بهي أستقبل به أهالي أوروك البطلين.

ولكن نرجع الكرة ثانية هل يعني قتل خمبابا التخلص من الموت المصير المحتم علي البشرية؟ وماذا فعل جلجامش بعدها عندما قدرت الآلهة الموت علي أنكيدو؟ لقد شاهد جلجامش خله وصديقه وقد أسبل يديه ومد رجليه وفغر فاه فحركه فلم يجب وصاح بأعلي صوته أنكيدو أنكيدو ولكنه لم يجبه هذا البطل قد صرعه الموت، وراح جلجامش يبكيه بآحر البكاء.

يا صاحبي لقد حلت بي اللعنة

فلن أموت ميتة رجل سقط في ميدان الوغي

كنت أخشي القتال

فمن يسقط في القتال يا صديقي فأنه مبارك

وليبكيك الفرات الطاهر الذي كنا نسقي منه

لينح عليك محاربو ((أوروك)) ذات الأسوار

من أجل أنكيدو،خلي وصاحبي، أبكي

وأنوح نواح الثكالي

وبدأ جلجامش بعد موت رفيق عمره أنكيدو يبحث عن معني الحياة فلم يجد جوابا إلا عند صاحبة الحانة:

فأجابت صاحبة الحانة جلجامش قائلة له:

إلي أين تسعي يا جلجامش

إن الحياة التي تبغي لن تجد

حينما خلقت الآلهة العظام البشر

قدرت الموت علي البشرية

استأثرت هي بالحياة

أما أنت يا جلجامش فليكن كرشك مملوءا علي الدوام

فكن فرحا مبتهجا مساءوأقم الأفراح في كل يوم من أيامك

وأرقص وألعب مساء نهار

وأجعل ثيابك نظيفة زاهية

وأغسل رأسك واستحم في الماء

ودلل الصغير الذي يمسك بيدك

وأفرح الزوجة التي بين أحضانك

وهذا هو نصيب البشرية

لقد فلسفت صاحبة الحانة الحياة والموت لجلجامش بالتلذلذ بمتاع الحياة الدنيا وما فيها من نعيم، ولكن أيستكين هذا البطل الذي عرفته أوروك بشيبها وشبابها وآلهتها وقد عركته الحياة وذللت له الطبيعة بجبالها وسهولها وحيواناتها.أيستكين هذا البطل بالاستسلام لرأي صاحبة الحانة؟ فلقد بدأ جلجامش يتجه في تفكيره إلي معالجة مشاكل الحياة بعد إن أدرك إنه غير قادر علي معالجة مسائل أكثر اتصالا منها الموت والنوم، الضعفان الملازمان للبشرية بعد إن بذل جهدا كبيرا في التخلص من الموت وذلل الطبيعة وأخترق الجبال والسهول وصنع له السلاح، وكان من محاولاته هو الاستفسار عن الطوفان الذي حل بسكان وادي الرافدين آنذاك إذ أغرق الحرث والضرع والزرع، وقطع جلجامش مسالك وعرة صعبة للوصول إلي اتونبشتم ليستفسر منه عن الطوفان وعن أسباب غضب الآلهة علي البشر وعن الحكمة من حدوثه وعن إمكانية تكراره، إذ وصل إلي هدفه بمعونة أور-شنابي ((ملاح سفينة أتونبشتم)) وبمعونة صاحبة الحانة أيضا:

وركب جلجامش و ((أور شانبي)) في السفينة

أنزلا السفينة في الأمواج وهما علي ظهرها

وفي اليوم الثالث قطعا في سفرهما ما يعادل

شهرا وخمسة عشر يوما

من السفر العادي

وبلغ ((أور-شنابي)) مياه الموت

هيا يا جلجامش أسرع وخذ مرديا وأدفع به

وحذار أن تمس يدك مياه الموت

ووصل جلجامش بمعونة أور-شنابي إلي أتوبنشتم

وأخبره عن اجتماع الآلهة في مدينة شروباك الواقعة علي الفرات إذ قررت الآلهة الطوفان علي البشرية:

يا كوخ يا كوخ القصب،يا جدار يا جدار

أسمع يا كوخ القصب،وأفهم يا حائط

أيها الرجل الشروباكي ((أوبار-توتو))

قوض البيت وأبن لك فلكا (سفينة)

تخل عن مالك وأنشد النجاة

أنبذ الملك وخلص حياتك

وأحمل في السفينة بذرة كل ذي حياة

والسفينة التي ستبني

عليك أن تضبط مقاسها

وحمل الكبار كل الحاجات

جعلت فيها ستة طوابق (تحتانية)

وبهاذا فرزتها(قسمتها)إلي سبعة طوابق

وفرزت فيها المرادي وجهزتها بالمؤن

وجلب حاملوا السلال ثلاث شارات من السمن

ثم نحرت البقر وطبختها للناس

وحملت فيها كل ما أملك من ذهب

وحملت فيها كل ما عندي من المخلوقات

لقد أدرك جلجامش أن معالجة الطوفان لا تقيه الموت وان سفره إلي أتوبنشتم لم يحقق له مغنما إذ قرر أبونيشتم أن يعود جلجامش إلي وطنه من حيث أتي:

ليعد إلي وطنه من الباب الذي خرج منه

فأجاب أتوبنشتم امرأته وقال لها:

لما كان الخداع من طبيعة البشرية فأنه سيخدعك

فهلمي أخزي له أربعة من الخبز وضعيها عند رأسه

والأيام التي ينام فيها أشريها في الجوار

واشرتها امرأة أتونبشتم في الجدار علي عدد الذي خبزته له إذ يبس الرغيف الأول وتلف الثاني بقي رطبا وأبيضت قشرة الرغيف الرابع والخامس لم يزل طريا والسادس قد تم خبره في الحال ولما كان الرغيف السابع لا يزال علي الجمر لمسه جلجامش فاستيقظ.

وأدرك جلجامش بعدها أن الموت والنوم مقدران علي البشرية، وطلبت امرأة أتونبشتم من زوجها أن يعطيه شيئا وهو عائد إلي بلده بعد أن أمتقع لونه ورثت ملابسه (ولو قد ساعده علي تنظيف جسده المشعر وأكسائه بالملابس الجيدة كل من أور-شنابي وأوتونبشتم) وكانت العطية إن دله أتونبشتم علي نبات الخلود وهو نبات يشبه الشوك وعاني جلجامش ما عاني في الحصول علي هذا النبات إذ ربط برجليه أحجاراً ثقيلة ونزل إلي أعماق المياه حيث أبصر النبات وحصل عليه ولكن جلجامش أنشغل عنه ليغتسل ببئر باردة الماء فما كان من الحية بعد أن شمته إلا أن قامت بسرقته،وأخذ جلجامش يبكي ويبكي حتي جرت دموعه علي وجنتيه وكلم أور-شنابي قائلا:

من أجل من يا ((أور-شنابي)) كلت يداي؟

ومن أجل من أستنزف دم (قلبي)؟

لم أحقق لنفسي مغنما

أبعد عشرين ساعة مضاعفة

يأتي هذا المخلوق فيخطف النبات مني؟

وجدت إن هذا نذير ولي أن أتخلي (عن مطلبي)

وأدرك جلجامش أن الموت مقدر علي البشرية وأن السهو والنسيان والنوم محتم عليهما أيضا وما عليه إلا أن يتلذذ بنعيم الحياة الدنيا إذ رجع إلي أوروك خائبا:

فقال جلجامش لـ ((أور-شنابي)) الملامح

كل يا أور شنابي، وتمش فوق أسوار أوروك

وأفحص قواعد أسوارها وأنظر إلي آجر بنائها

وأدرك بعدها جلجامش كما أدرك غيره من البشر أن الحياة عمل صالح وتفكير دائب، وأن علي الإنسان واجبات عليه أن يؤديها تجاه نفسه والمجتمع الذي يعيش فيه وأن ليس باستطاعة الإنسان أن يحقق كل رغباته وأمانيه ولكن ذلك لا يمنعه من العمل الجاد المثمر لاكتشاف ما هو ممكن. ومن خلال ما تقدم يتضح:

1- أن الموت ضعف ملازم للإنسان وأن الآلهة قد استأثرت بالحياة وحدها.ولكننا نقرأ في غير الملحمة أن بعض الآلهة يموت وأن منها ما يموت في فصل معين مثل الإله دموزي إله الخصب والنماء الذي يموت في الصيف ويعود للحياة في فصل الربيع.

2- إن توجهات جلجامش للاستفسار عن معني الحياة وجواب صاحبة الحانة له بأن الحياة أن يكون كرشه مملوءا علي الدوام وأن يدلل الصغير وأن يفرح الزوجة لم يكتف جلجامش به فهو قد ترك ذلك وعزم سفرا شاقا كاد يؤدي بحياته وهو الوصول إلي أتونبشتم واستفساره عن الطوفان لأنه أدرك أن هناك مسائل تؤثر علي حياة البشر يحتاج لها حل وأن التلذذ بالحياة لا يكون إلا بالجد والتحدي والعمل الشاق.

3- لم ينفك جلجامش بالاستفسار عن معني الخلود بموت خله وصديقه أنكيدو بل صمم علي مقارعة الموت وهو في سفره إلي أتوبنشتم ليسأله عن الطوفان وفي خضم ذلك عاودته فكرة الخلود إذ دله أتوبنشتم علي نبات الخلود بعد أن طلبت زوجة أتوبنشتم من زوجها أن يعطيه ما يخفف من عناء سفره إليهم.

4- اختلطت في الملحمة عواطف متضادة كشفت عن شخصية الإنسان الرافديني منها الصمود والضعف والفرح والحزن وتجاوز المحن والتخطيط للمستقبل فالبطل جلجامش بكي علي أنكيدو بعد موته بكاء الثكالي وذرف الدموع عليه حتي فاضت علي وجنتيه ولكنه بقي ذلك البطل الذي لم ينفك يسأل عن معني الحياة والخلود وعن كوارث الطبيعية ما يفرح منها وما يحزن.

5- لقد لعب الجنس دوره في انتقال الإنسان الرافديني من حياة البداوة إلي حياة الحضارة كما فعلت البغي حين كشفت عن مفاتن جسمها أمام أنكيدو لاستمالته إلي الحياة المدنية كما لعبت العوامل الأخري دورها كالعامل الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

6- كان الإنسان الرافديني في الملحمة لا تنفك علاقته بالآلهة فهو يستعين بها في كل خطوطه ناسبا إليها الخير والشر الذي يصيبه رغم هذه الآلهة تتصف بصفات غير ثابتة سببت له مشكلات كثيرة كما في المعركة الكلامية التي وقعت بين جلجامش وعشتار آلهة الجنس والحب إذ قال لها جلجامش أفحش الكلام والسب وأتهمها بأنها سببت الأذي والألم لقلوب البشر.

7- لقد ميز الإنسان الرافديني في الملحمة الآلهة فنسبت لبعضها العظمة وتعيين الحكام كالآلهة أنليل الذي كان يعين الحكام علي الأرض وله مستشارون ورسل ونسب لبعضها الضعف كما نسب الموت إلي دموزي.

8- لقد حاول الإنسان الرافديني أن يجعل جلجامش في مصاف الآلهة إذ كان ثلثاه آله وثلثه الآخر بشر فضلا علي قيامه بمغامرات عبر الجبال والبحار والغابات لا يقوي البشر عليها إذ كان كامل القوة يعلم ما خفي من الأمور.

9- أن ملحمة جلجامش لم تكن إلا من وحي تفكير صاغها لتمثل الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي إذ وضعها السومريون ثم كتبها البابليون والآشوريون بلغتهم.

10- هذا ولم ينفرد سكان العراق القدماء باهتمامهم بمسألة الحياة والموت بل عالجت هذه القضية آداب وأقوام كثيرة من كمختلف العهود والأزمان فنجدها متغلغلة في مآثر اليونان الأدبية وتجد علي سبيل المثال في الأدب العربي قصصا طريفة عن أخبار المعمرين وأخبار الكثير من الأبطال الذين ركبوا الأخطار والمغامرات لنيل الخلود والبقاء، كقصة لقمان الحكيم وذي القرنين والخضر والتائه وتبع الأوسط وشمر يرعش وقيس بن زهير وقد نسب لبعضهم الخلود المطلق مثل الخضر كما نسبت لبعضهم الآخر أعمار طويلة مثل لقمان الذي عاش سبعة نسور كان آخر لبد الذي انتهت حياة لقمان بموته (1،ص23).

11- وأخيرا وليس آخراً فأن الملحمة علي جانب من الأهمية في تصويرها تصويرا مؤثرا جوانب مهمة من حضارة وادي الرافدين، فهي لدراس هذه الحضارة منجم زاخر لاستقاء أوجه ومقومات أساسية عن أحوال العراق القديم، كعقائد القوم الدينية، وآلهتهم وآرائهم في الحياة والكون.
 

 

الصفحة الرئيسية

من نحن

سجل الزوار

دليل المواقع

اتصل بنا

مدينة القامشلي

صور من القامشلي

رياضة القامشلي

اطفال

نكت

ديانة مسيحية

قصص قصيرة

صور فنانين

هل تعلم؟

سري للغاية!

حوادث غريبة

ذكريات

مذابح

تعليقات الأخبار

تعليقات الزوار

 

عجائب وغرائب

تاريخ

مواضيع اخرى

اغاني MP3

 

 

Homeالصفحة الرئيسية