إقرأ في المحطة

 

مسيحيي الشرق والولاء الأعمى



2017/07/17

منذ أن إعتنق أبناء الشرق الإيمان المسيحي وعبر العصور الطويلة, تميزوا وبشتى طوائفهم, عن جميع الأقوام والأجناس والأديان من أبناء منطقتهم وبتفردهم الملفت للنظر للصفات الإيجابية التي قلما نجدها لدى الغير, ومن بين تلك الصفات الجيدة: الإنضباط والتفاني بالإعتماد على الذات, أيضاً بالنظافة الفائقة فأحيائهم تختلف بجمالها ونظافتها وترتيبها عن أحياء إخوتهم من بقية الأديان, أيضا إجتهادهم بالإبداع في شتى المهن والأعمال وأغلب مجالات الحياة, فمنهم الطبيب والمهندس والفني والمهني والصحفي والعامل في ورشات ومعامل الإنتاج, وأغلبهم مهرة ناجحين في مجال عملهم, ويعتبرون الأعلى في السلم الحضاري والإجتماعي وقلما تجد عائلة مسيحية تعيش تحت مستوى خط الفقر, بإختصار كانت الأصابع تتوجه إليهم لشهرتهم وسيرة أخلاقهم الحسنة في مجمل مجالات الحياة الإجتماعية والإقتصادية بإستثناء الجانب ((السياسي والعسكري.))

فجميع ما سبق من صفات وخصال إيجابية, هي نابعة من التربية المسيحية السمحاء المحبة لله والشعب والوطن والحياة, وهم أشبه بواحة من الورود والأزهار النابتة في منطقة صحراوية قاحلة لا اثر للحياة فيها, ولا غضاضة في نعت بعض المتنورين من الإخوة المسلمين لمسيحيي العراق بزهور الرافدين ومسيحيي شرق المتوسط بورود بلاد الشام .

 لكن هناك حقيقة قد تكون مؤلمة لدى الكثيرين, وهي الأمانة الزائدة والإخلاص المفرط عن حده من السياسيين المسيحيين المنتمين لجميع الأحزاب السياسية لدرجة قد تصل للولاء الأعمى, وهذا خطأ فادح إرتكبه المتحزب المسيحي بحقه الشخصي وبحق قوميته وديانته الأم المنتمي لهما بالولادة, لأن جميع الأحزاب والإديولوجيات والمعتقدات الدينية المتواجدة في الشرق هي مجرد نظريات وأفكارغير قابلة للتطبيق العملي, ولا تمت للواقع بصلة وهي قابلة للتبدل والتغيير في أي مرحلة من مراحلها التأسسية والتنفيذية, علاوة على إنها أحزاب شمولية مبنية ومرتكزة ومتأثرة بالطابع الديني الإسلامي, نظراً لإنتماء الشريحة الكبرى من أبناء الشرق للديانة الإسلامية ولا يمكن لتلك الأحزاب أن تتقبل خصوصية المنتسب لها ذات الخلفية المسيحية, لأسباب جوهرية عدة منها إثنية وأخرى دينية وعقائدية.

فالمسيحي الشيوعي تجده متزمتا في فكره وجل همه هو إقناع أهله وأصدقاؤه بالنظرية المادية وقد يكون أكثر تعمقا بفكره الماركسي من كارل ماركس ,وأكثر عشقاً للإشتراكية من فلاديمير لينين, ولا يقل عنه المسيحي المنتمي للحزب القومي السوري الإجتماعي, إذ أن إلتزامه لهذا الفكر فيه مبالغة ومزاوده حتى على مؤسس وزعيم الحزب المرحوم أنطون سعادة, أما أتباع حزب البعث العربي الإشتراكي , فوصل ولائهم الأعمى لهذا الفكر العربي إلى درجة الإنسلاخ من أثنيتهم وديانتهم الأم, كما فعل مؤسسه المرحوم ميشيل عفلق بانسلاخه من ديانته بإعتناقه الإسلام ,وقد ذهب بعض المتحزبين إلى الإنتحار السياسي, إذ أوصوا بكتابة شعار حزبهم على شاهد قبرهم بدلاً من الصليب أو آية من الإنجيل مثلاً, ويا للمفارقة العظيمة فمعظم مؤسسي أحزاب الشرق مسيحيين دينياً وليسو عرب اثنياً.

قلة قليلة من المسيحيين الغير عرب قومياً, وجدوا ضالتهم القومية والسياسية في الفكرة والصبغة القومية المختصة بإثنيتهم كالمنظمة الآثورية الديمقراطية والتي تأسست في خمسينيات القرن الماضي محاولين الحفاظ على كينونتهم الإثنية واللغوية, إلا أن سرعان ما حبلت تلك الفكرة السياسية القومية الصغيرة في السنين الأولى من مهدها بين أبنائها, لتنجب عشرات الأحزاب والمنظمات الصغيرة جداً كالحزب السرياني والآرامي والكلداني والآشوري وأبناء بيت نهرين وغيرها الخ, وهذا العدد الكبير القابل للانشطار والزيادة والأنجاب , لا ينم عن عافية ووعياً سياسياً إطلاقاً بل عن جهلاً وإنقساماً وضعفاً للمنظومة السياسية المسيحية بشكل عام والأثنية بشكل خاص.

 كل ذلك أدى إلى تشرذم وتشتت مسيحيو الشرق بين عشرات الأحزاب والمنظمات الشمولية والقومية المتضاربة بالأهواء والمتناحرة بالمضمون والفكر, ويمكن الجزم إن أغلب السياسيين المسيحيين خدموا وعملوا وضحوا بكل ما هو غال وثمين, في سبيل رفع شأن أحزابهم دون أن يكافؤوا أو يجازوا بأدنى اعتبار أو وسام, وغير آبهين ومكترثين لمصير ومستقبل أبناء جلدتهم دينياً وقومياً, في حين أن بقية القوميات, (كالأكراد مثلا) فقد سخر ووظف المنتسبين منهم للأحزاب الشمولية في هذا المقال كل طاقاتهم و إمكانياتهم لخدمة شعبهم وقضيتهم القومية, واضعين نصب اعينهم المصلحة الكردية العليا أولاً وفوق أي حزب أو أي اعتبار آخر.

إن تبعثر مسيحيي المشرق بالإنتماء السياسي والإخلاص الأعمى لتلك الأحزاب الغريبة والبعيدة عن إصلاح المنظومة العقلية للإنسان المشرقي المتشبع بالأفكار الدينية البالية والرافضة لقبول الغير, أدت إلى إضعافهم, وجعلتهم لقمة سائغة أمام بقية الأقوام والأجناس, في كل مرحلة تاريخية, وخصوصاً في هذه المرحلة الحساسة والهامة مرحلة المتغيرات الديموغرافية والجغرافية الجديدة المعدة لخارطة الشرق الأوسط الجديد, والتي تسير على قدم وساق وباتت قاب قوسين من تحقيقها.


بقلم جوزيف إبراهيم. في /2017/07/10/ استراليا

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع المحطة  Copyright   All Rights Reserved - Almahatta.net

الصفحة الرئيسية

من نحن

سجل الزوار

دليل المواقع

اتصل بنا

مدينة القامشلي

صور من القامشلي

رياضة القامشلي

اطفال

نكت

ديانة مسيحية

قصص قصيرة

صور فنانين

هل تعلم؟

سري للغاية!

حوادث غريبة

ذكريات

مذابح

تعليقات الأخبار

تعليقات الزوار

 

عجائب وغرائب

تاريخ

مواضيع اخرى

اغاني MP3

 

 

Home   الصفحة الرئيسية