إقرأ في المحطة

 

الفرد والتاريخ في فلسفة جورج بليخانوف



فواد الكنجي 2018/05/27

مشكلة الفردوعلاقته بالتاريخ مشكلة من مشاكل الفلسفية تناولها الكاتب الماركسي (جورج بليخانوف1856 - 1918) تناولا شاملا وعميقا في عدة بحوثه ومؤلفاته، حيث سلط الضوء على إحدىأهم المشاكل الفلسفية الهامة والتي تتعلق بالفرد، والمجتمع، والتاريخ، فهذهالمشاكل أفرزت جملة من المعطيات لا يمكن التغاضي عنها بأي شكل من الإشكال؛ بكونهامن أهم العوامل المؤثرة على الصعيد الفهم السياسي، والاجتماعي، والاقتصادي، فتناولهاتناولا بحثيا علميا عميقا وصل من خلال بحوثه النظرية؛ بأنه لا يمكن تفسيرها فيمجال البحث العلمي النظري دون توضيح العوامل المؤثرة عليها عمليا في ميادين الحياةالعملية؛ ليستشف بان حجم التأثير عليها لا يكون إلا من خلال تأثير (وسائل الإنتاج)كسبب أعلى للفرد والمجتمع والتاريخ وهي آتية من خلال وجهة نظر المادية الاقتصاديةوبتفسير علمي لتاريخ البشري .

فقد ساد لحقبةتاريخية ليست بالقصيرة اتجاه فكري ومفاده بان للفرد دور أساسي محرك للتاريخ؛ الأمر الذي قادهم باعتبار بعض إبطالهماو الشخصيات العظيمة من أصحاب الفكر مجرد ملاحم .

بينما كان هناكثمة من عارض هذا الاعتقاد معتبرا بان (الفرد) شيء لا قيمة له؛ كقيمة صفر علىاليسار، مفسرين ذلك باعتبار إن هناك قوانين معينة تكون (حركة التاريخ) ومسيرتهاخاضعة لها وقد عرضوا دلائل عن العوامل الطبيعية؛ كالبيئة الجغرافية والإقليم كمؤثراتالتي تخلفها في المجتمع متغاضين النظر عن دور الفرد التاريخي وبأنه هو من يصنعالتاريخ .

فجاء (بليخانوف)ليرفض الآراء السابقة لسببين :

أولهما؛ إن الآراء السابقة لا تقدم حلا لهذهالمشكلة.

وثانيا؛ لا تقدم فهما علميا للتاريخ.

فـوجهة نظر(بليخانوف) تذهب في تأكيد بان الإفراد ذو الفكر النقاد هم من عوامل حركة التطور؛بينما قوانين الحركة التي تحكما هو العامل الأخر. فخضوع التاريخ وأحدثه لمبدأ(العلية) يجرنا إلى طرح سؤال عن سبب التطورات التاريخية سواء ما يتم تعبير عنها بإحداثالتاريخ أو بالتيارات الفكرية والسياسي والاجتماعية المتعاقبة، فلو أخذنا مثلاالمجتمع الأوربي المعاصر لوجدناه يختلف محتواه الفكري والسياسي والاجتماعي عن المجتمعاتذاتها قبل ألف عام، إذا من هنا علينا إن نحلل ونفسر سبب هذا الاختلاف على ضوءمعطيات التي تصنع الوجود وتغيره، ولن نصل إلى الحقيقة إلا عندما نتمكن التوليف والجمعأقسام الحقيقة التي يحتويها الموضوع ونقيضه والتي يسميه بليخانوف (أداة الصيرورة التاريخية)، وهذا يتم منأجل حل الخلاف في هذه المسألة.

فمن الضروري لـ(علمالتاريخ) أن يأخذ بنظر الاعتبار ليس فقط فاعلية (الرجال العظام) وإنما (مجموعالحياة التاريخية) وفي مقدمتها الضرورات الكامنة وراء الحدث التاريخي، لان كل ما يفعله (الفرد)؛ فإن فعله وعمله سيبقى خاضعالظروف معينة، وهنا يتساءل (بليخانوف) :

"إذا كان كل ماينجزه (الفرد) من عمل - عندما يتحقق - يشكل هو أيضا حادثا تاريخيا، فما الذي تمتازهذه الأحداث التي تتم من تلقاء نفسها.....؟"

يجيب ( بليخانوف):

"أن كل حادثتاريخي- يُؤمن- على وجه التأكيد لبعض الإفراد جني الثمار اليانعة من التطورالسابق، كما أنه في الوقت نفسه حلقة في سلسلة الحوادث التي تهيئ ثمار المستقبل".

ولهذا فان (بليخانوف) يعتقد أن (الشروطالتاريخية العامة) أقوى من الأفراد الأقوياء، فـ(الفرد) ما هو إلا أداة بسيطة منأدوات (الصيرورة التاريخية)، التي لا يمكن لنا النظر إلى الأحداث إلا من خلالها، باعتبار(الفرد) أداة من أدوات الضرورة التاريخية ليس إلا، ولا يمكن له ألا إن يكون كذلك،مهما كان صفاته الأخلاقية ووضعه الاجتماعي المنبثق عن هذا الوضع.

أن إدراك (الفرد)لهذه الحقيقة يلزمه بضرورة (وعي الضرورة) والتي ستقوده لا محال إلى التحرر منها، وهذايعني الدخول في ملكوت (الحرية)، ومتى ما دخلها؛ عندها سيعيش حياة جديدة لأنه يكونقد أزيح عن كاهله هذا الإكراه، وستصبح فاعليته الحرة تعبيرا حرا واعيا عن (الضرورة)،لأنها ستكون قوة اجتماعية فاعلية وستنفجر، وعندما يدرك فرد (ما)؛ ما هي الضرورةالملازمة لحادث (ما)؛ فإن ذلك سيضاعف من طاقة الشخص الذي يواجه هذا الحادث،فيتجاوب لدرجة التي يعتبر نفسه إحدى القوى التي تحدد وجوده، أما إذا تقاعس (الفرد)و وقف متفرجا غير مباليا وشبك ذراعيه دون إن يبادر بفعل أي شيء فإنه لا محال يبرهنعلى جهله، لأن استسلامه وعدم الفعل يمثل قوة سلبية، وليست - كما يقول بليخانوف - (الضرورة)هي السبب في ذلك ، وإنما السبب يعود في التربية التي نالها (الفرد) في حياته، فظروفتربيته وثقافته قد تجعله يحمل في نفسه ميلا إلى الابتعاد والكسل والانزواء، بينمايمثل اليقين والإصرار المتزن في قلوب الإفراد الأشداء الفاعلين والواثقين تعبيراذاتيا عن (الضرورة الموضوعية)، والتي هي بمثابة ( قوة إيجابية)، وفي هذهالحالة يعطي الإفراد الدليل على شجاعتهم وقدراتهم التي لا تقهر وبذلك يقومونبالأعمال العظيمة المثيرة والمدهشة.

وهذه النظرة منوجهة نظر ( بليخانوف) ما هي إلا امتداد في تفسيره المادي للتاريخ و لدور الفردالصانع للتاريخ، لان هناك من الإفراد لهم القدرة على التأثير في المجتمع وحتى على مصيرهبما يمتلكون من خصائص ومميزات ومواهب، فلو أخذنا تصرف ملك إنكلترا (هنري) - علىسبيل المثال وليس الحصر - سنعلم بالدورالتاريخي الذي أحدثه تصرف الملك في المجتمع، فما نجم عن حادثة غرام خاصة في حياته الذيعشق (آن بولين)، إذ أدت تلك الحادثة إلى انفصال العائلة المالكة،وبالتالي انكلترا كلها، عن المذهب (الكاثوليكي)، ولكن هذا التأثير بكل ما يملكههؤلاء الإفراد من هذه المميزات الفردية لن تكن عاملا مؤثرا على طور الاجتماعي إلابحدود العلاقات الاجتماعية وبحدود التنظيم الاجتماعي الذي يعيش فيه وبالبنيةالداخلية للمجتمع وعلاقاته بالمجتمعات الأخرى، لان (التاريخ) لا يتحقق فعله إلا فيشروط محددة اجتماعيا، فثمة عاملان مهمان يجب توفرها ليتمكن (الفرد) الموهوب التمتعبهذه الخصائص ليتمكن التأثير على المجتمع في سياق الإحداث كما يذكرها (بليخانوف) :

أولها، (( أنيستجيب، بفضل مواهبه، أكثر من سواه لحاجات الزمن الاجتماعية، ومن البديهي أن (نابليونبونابرت) لم يكن بمقدوره أن يصبح إمبراطورا فيما لو أوتي بدلا من العبقريةالعسكرية عبقرية موسيقية كـ(بتهوفن) .

و ثانيا، ألا يقفالنظام الاجتماعي القائم عائقا أمام (الفرد) الحائز على الأهلية التي تستدعيهاالفترة الزمنية المعينة، ولو أن النظام القديم استمر خمسا وسبعين سنة أخرى لما زاداعتبار (نابليون) بعد موته عن كونه لواء مغمورا)).

لنفهم بتوضيح أكثربان أسباب (الثورة الفرنسية) كانت قائمة على طبيعة (العلاقات الاجتماعية) نفسهاوليس على (الخصائص الفردية) التي اتصف بها الأفراد، فالخصائص الشخصية لـ(الفرد) فهيلا تفعل شيئا أكثر من جعل صاحبها أقدر على تحقيق الحاجات الاجتماعية الناشئة أومعارضتها، وهكذا كانت - من الوجهة الاجتماعية - حالة (فرنسا)، أي أنها بحاجةقصوى في نهاية القرن الثامن عشر أن تستبدل المؤسسات السياسية البائدة بمؤسسات أخرىأكثر انسجاما مع نظامها (الاقتصادي) الجديد.

ومن هنا فان تفسيرالأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بـ(الأفكار والآراء)، فان (الأفكار والآراء)هي وليدة هذه الأوضاع؛ أي الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادي، فإننا لا محالسندور في (دائرة مغلقة)، ولكي نخرج من هذه الحلقة التي سار فيه المفسرون المثاليونللتاريخ جميعا، فان (بليخانوف( في هذا الصدد قال: ((..بان (هيغل) وجد نفسه يقع في ذات (الحلقة المفرغة)، التي وقع فيها علماء الاجتماع والمؤرخينفي فرنسا لأنهم كانوا يفسرون الوضع الاجتماعي، بحالة الأفكار وحالة الأفكار بالوضعالاجتماعي، وما دامت هذه المسألة بلا حل، كان العلم لا ينفك عن الدوران في (حلقةمفرغة)، بإعلانه أن (ب) سبب (أ)، مع تعيينه (أ) كسبب لـ(ب)..))، إما تفسير (الماركسية)ومنهم (بليخانوف)؛ فأنهم يتجهون بالتفسير والتعليل على مبد (العلية)، بان نتخطى أراءوأفكار (الفرد) وعلاقاته الاجتماعية بمختلف أشكالها باعتبارها ظواهر اجتماعية تحدثوتتطور حسب الظروف المحيطة وأحداثها، ومن هنا فإنها بحاجة إلى تفسير وتعليل، وهذاما يقودنا البحث عن سر (التاريخ) خارج نطاق الطبيعة التي يمارسها (الفرد) ولا يمكنتفسير هذا النطاق من البحث الا بـ(القوى الإنتاج)، لان الإحداث لا تحدث ولا تخضعللـ(مصادفة) إلا وفق مبد (العلية)، فان نطاق تفسر (التاريخ) ولكي نجتاز مجال البحثمن دائرته المغلقة، لا يتم إلا من خلال (وسائل الإنتاج) كسبب أعلى للمجتمعوالتاريخ .

لان الوجود الذييشمل كل ما يحيط حولنا هو (الوجود المادي)، وحوله تُبنى العلاقات، والأفكار،والطبقات، والدولة، لنفهم بان (الوجود المادي) هو الإنتاج الاجتماعي، بمعنى انه (وسيلةالإنتاج وقوى الإنتاج وقوى العمل) يتصاعد دورهم إلى علاقات الإنتاج والطبقاتوالدولة والإيديولوجية، وهو الأساس في أي تحليل - حسب وجه نظر الماركسية - وعداذلك فان أمره يتجه نحو المنظور مثالي، فـ(ماركس) يقول بالنص" في الإنتاج لا يؤثرالإفراد في الطبيعة فقط، بل يؤثر كذلك بعضهم في بعض أنهم لا ينتجون ما لم يتعاونوافي مشكل معين وما لم يتبادلوا بينهم نشاطاتهم، وفي سبيل الإنتاج، يدخلون في علاقاتوارتباطات معينة فيما بينهم ولا يوطد تأثيرهم في الطبيعة - أي الإنتاج - إلا فيحدود هذه العلاقات والارتباطات الاجتماعية "، إن الإفراد يعيشون حياةاجتماعية؛ وكل ما يحققونه من تفوق ورقي في المجال الثقافي والحضاري يكون بفضل (المجتمع)ولا يمكن بأي حال من الأحوال إن نفهم الإنسانيةخارج المجتمع؛ لان جوهر الإنسان مكامنه تكمن في مجموع العلاقات الاجتماعية في زمنمعين من (تاريخه)، والتي تبنى أساسا على مجموع علاقات (الإنتاج)، وهذه العلاقات تتخذ صفتها من الشكل (ملكية وسائل الإنتاج) ووضع(الطبقات) و(العلاقات الاجتماعية) أثناء عملية الإنتاج وأشكال توزيع الثروات، وهذاالبناء هو الذي يرسم صورة علاقات الإفراد بـ(الطبيعة) والعلاقات التي تربطهم خلال (عمليةالإنتاج) ، والتي من خلال هذه العلاقات يتم تطوير الإنتاج وهذا التطور هو أساس فيتطور المجتمع، وهذه هي أهمية (التركيبة الاقتصادية - الاجتماعية) في تطور المجتمع، وبطبيعة الحال فان أي تغيربين (علاقة الإنتاج) مع (قوى الإنتاج) سلبا أو إيجابا يعكس على الفرد والمجتمع؛وهي التي تلقي النظرة البسيط إلى تاريخ التطور الاجتماعي، لأننا بكل وضوح يمكن لناملاحظة (أدوات الإنتاج) في كل مرحلة من مراحل التطور تفرض أسلوبا جديدا للحياةوالمجتمع؛ لان عبر هذه المراحل تتطور خبرة الإفراد وقدراتهم ومعرفتهم ومهاراتهموهو من الأسباب الرئيسية للتطور الاجتماعي والمجتمع بأسره، ومن هنا يبرز دور وأهميةدراسة التاريخ وفق علاقة (الاقتصادية - الاجتماعية) باعتبارهما مكامن مقننه عبرالمراحل لعملية تطور الوعي في المجتمع؛ والذي أساسا يبنى وفق احتياجاته؛ وما تؤديمن تغيرات (بنيوية) تفرض وجها جديدا للثقافة وللحضارة؛ وهذا ما يجعل من قوى (الاقتصادي)واحدا من العوامل المهمة المحركة في تاريخ التطور الإنساني منذ أول تأسيس اجتماعي،لذلك يبرز دور(العامل الاقتصادي) سلبا أوإيجابا على المجتمع وقدرته في التأثير بما حولها.


 

جميع الحقوق محفوظة لموقع المحطة  Copyright   All Rights Reserved - Almahatta.net

الصفحة الرئيسية

من نحن

سجل الزوار

دليل المواقع

اتصل بنا

مدينة القامشلي

صور من القامشلي

رياضة القامشلي

اطفال

نكت

ديانة مسيحية

قصص قصيرة

صور فنانين

هل تعلم؟

سري للغاية!

حوادث غريبة

ذكريات

مذابح

تعليقات الأخبار

تعليقات الزوار

 

عجائب وغرائب

تاريخ

مواضيع اخرى

اغاني MP3

 

 

Home   الصفحة الرئيسية