إقرأ في المحطة

 

ما الذي حدث لتميل كتابات دوستويفسكي إلى السوداوية....؟



فواد الكنجي 2018/11/23

منذ إن اتخذ (دوستويفسكي)الكتابة متنفسا ليستنشق حريته في التعبير؛ اتخذ من الإنسان محورا أساسيا لكل ماكتبه عنه من فعل الإرادة والسلوك والدوافع النفسية، السليمة والمرضية؛ وهو يمضيقدما متأملا ومستفسرا ومذهلا ومندهشا بـ(الوجود) لا يجد أي مخرج لتفسير كل ما يحيطبالإنسان؛ وكل ما يصادفه من متناقضات الحياة؛ و وسط هذا الغموض والقلق الذي ينتاب الإنسانفي كل لحظة من لحظات حياته يواجه مصيره بسوداوية لا يستطيع فك لغز الحياة التييعيشها بالآلام والمعاناة والعوز والفاقة والجوع والمرض والصراعات؛ وهو مدفوعا فيهذا الوسط بين قوة الرغبة واليأس محاصرا لا يفهم معنى وجوده ولا يستطيع إثباتوجوده أو امتلاكها، ليرى نفسه مسيرا وفق أحداث لا يعلم من يصنعها؛ ليرى مصيرهمتشابكا بما لا يريد إن يكون فيها، ولكن يكون فيها مرغما ليلاقيها بألم وارتجاف وخوف.

في وسط هذا الفهم لمصير الإنسان المتجهة إلىالمجهول يقف (دوستويفسكي) طارحا أسئلته عبر رواياته التي كتبها بنفسية تتوالى بأشدسوداوية من أخرى في شخصيات وقفت عاجزة تلاقي مصيرها وهي طامسة في عمق المعاناة الإنسانية،وهذه المعاناة نراها بهذا الشكل وذاك ضمن كل ما كتبه (دوستويفسكي) ابتدأ وانتهاءا بكلالإعمال الإبداعية التي كتبها والتي تتجاوز عن إحدى عشر رواية طويلة و سبعة عشر قصةقصيرة من (كتاب يوميات كاتب) و(كتاب قصص مختارة) الذي يضم قصة المساكين واللياليالبيض والصباح والقلب الضعيف وحادثة شنيعة والوديعة وحلم رجل مضحك ومن ثم (كتابالرسائل) و(رواية نيتوتشكا نزفانوفا) و(الإنسان الصرصار أو رسائل منأعماق الأرض أو مذكرات من العالم السفلى) و رواية (قرية ستيبانتشيكوفووسكانها- حلم العم) ورواية (الليالي البيضاء) و رواية (حلم رجل مضحك) و رواية (في سردابي) و(الفقراء)و(الزوج الأبدي)، و(مذكرات قبو( و(مذلون مهانون)و(المراهق وهي في جزأين) و(مذكرات من منزل الأموات) و رواية (الأبله - وهي فيجزأين) ورواية (الجريمة والعقاب - وهي في جزأين) و رواية (الشياطين - وهي في جزأين)و(الأخوة كارامازوف - وهي في أربعة أجزاء)، وفي خضم كل ما كتبه (دوستويفسكي) ضلاهتمامه منصب في طبيعة الإنسان التي لم يجد تفسيرا وأدركا واضحا لسلوكه ودوافعهوأفكاره ومشاعره ومواقفه الموسومة باللامعقول وبدون أي منطق والعبث والتمرد والخوفوالقلق والشعور بالذنب والخطيئة والعنف والضياع والانطواء والعزلة والنقص والتشتت و العجز والانفعال والندم والخوف والعجزوانغماسه في الأحلام وبإشكال مختلفة ليس لها أي ملامح من الحقيقة بقدر ما تتجه نحوالتطرف والانطواء والتمرد لارتواء ظمئا لا يرتوي، وهنا يطرح السؤال نفسه ما الذيجعل كتابات (دوستويفسكي) تميل إلى السوداوية ويتخذ من هذا المنحنى من الحياة خطانفسيا يركز عليه في كتاباته ......؟

الإجابة عن هذاالسؤال؛ لا بد لنا بادئ ذو بدا إن نستقصي العوامل المؤثرة في سلوكه وطبيعة البيئةالتي أحاطت نشأته الأولى:

العامل الأول، إن (دوستويفسكي)عاش طفولته في إحياء فقيرة في مدينة (موسكو) وهو يعاني من نوبات (الصرع) .

ثانيا، فقد والدتهوكانت امرأة مؤمنة ومريضة وسرعان ما غيبها الموت من حياته وهو في سن المراهقة؛ليفقد حنان إلام وليواجه قسوة الحياة.

ثالثا، كان والده طبيبامتطوعا في السلك العسكري؛ ذو طبع حاد وقاسي؛ وكان مسكنهم قريب من المستشفى التييعمل فيه والده.

رابعا، بعد فقدان لوالدته كان يقضي أوقاته ما بين ردهات المستشفى مع والده فيلتقي المرضى ويشاهدهموهم في حالات المعاناة والألم؛ وبين التجول في شوارع والأحياء الفقير ليشاهد مايسببه الفقر من خلل في النظام الاجتماعي أو الأخلاقي وهم يعيشون تحت فاقة العوزوالجوع والتسول.

خامسا، سجن (دوستويفسكي)وهو في الثامن والعشرين من العمر وصدر قرار من (القيصر تسار نيكولاس) بإعدامه؛ إذاتهم بانتمائه إلى جماعة (دائرة بتراشيفيسكي)، وهي جماعة أدبية انطلقت بتوجهات التفكيرالمتحرر؛ وكانت سرية تناقش الكتب الممنوعة التي تنتقد النظام الحاكم في (روسيا)؛ والتيعدت بكونها جماعة خطرة؛ وتم حضر أنشطتها واعتقال كل من ينتسب إليها، فتم إلقاءالقبض عليهم؛ وكان (دوستويفسكي) من ضمنهم وصدر قرار بإعدامهم رميا بالرصاص، غيرأنه في اللحظة الأخيرة، وبعد أن عايش (دوستويفسكي) أقصى لحظات الحياة، صدرت الأوامربتخفيف الحكم من الإعدام إلى المنفي في (سيبيريا). في سيبيريا، حيث عاش بذل ومعاناة لا توصف؛ إذ قضي أيام المنفىهناك بظروف استثنائية قاسية بصحبة شلة من القتلة والمجرمين والمنحرفين، فقضى أربعةأعوام في الأشغال الشاقة، و تلاها ست سنوات من الخدمة العسكرية الإجبارية فيالمنفى؛ وهو يقضي حكم الأعمال الشاقة كتب روايته ( بيت الموتى) التي صدرت في عام1861 والتي تعتبر أول رواية تتناول السجون الروسية والسجناء كموضوعٍ أحاط (دوستويفسكي)بكل جوانبه وبشكل مأساوي رهيب.

سادسا، تجربة وقوفهفي انتظار لحظات (الإعدام) كانت نقطة فارقة في حياته أثرت في سلوكه كل التأثير فيكتاباته وتصرفاته لاحقا، حمل منها تجربة قاسية، وقد وصف هذه التجربة لزوجته قائلا:

((..كنت واقفا في الساحة أراقب بفزع ترتيباتالإعدام الذي كان سينفذ بعد خمس دقائق، كلنا في قمصان الموت موزعين على وجبات منثلاثة محكومين، وكنت الثامن في التعداد، ضمن الوجبة الثالثة. أوثقوا الثلاثة إلىالأعمدة، وبعد دقيقتين يطلق الرصاص على الوجبتين الأوليين ويأتي دوري... يا إلهي، كمكانت رغبتي في تلك اللحظات تشدني إلى الحياة.. تذكرت كل ماضي الذي أهدرته وأسأتاستخدامه، فرغبت في الحياة من جديد وفي تحقيق الكثير مما كنت أنوي تحقيقه لأعيشعمرا طويلا.. وفي اللحظة الأخيرة أعلن وقف التنفيذ.. نعم أوقف تنفيذ الحكم فياللحظة الأخيرة .....! ))، لتكون تجربة الموت عند (دوستويفسكي)، تلك التجربة التيشكلت نقطة تحول جذري في سلوكه والتي لطالما ركز عليها وأثار حولها أسئلة لا أوللها ولا أخر.

سابعا، بعد تجربةنجاته من الإعدام؛ يعود (دوستويفسكي) غارقا و مدمن في لعبة (القمار)، وكانت نظرته إلىالمقامرة بكونها ليست مجرد لعبة و مغامرة، قائلا:

((..إنها فلسفةٌ الحياة الجديدة قائمة على فكرةالتخلي الحر عن الامتلاك، ليس في هذه الحياة ما يستحق أن تحافظ عليه، بل في الحياةما يستحق أن تهدره لتمتلكه مرة أخرى كلعبة حظ، تماما كمصادفة نجاته من الإعدام فياللحظة الأخيرة .. )).

ثامنا، كان (دوستويفسكي)يعاني حالة صرع مزمنة؛ يقع في نوبات الصرع ين حين وأخر؛ وهذا الشعور كان شديد التأثيرفي نفسيته وسلوكه، فيشعر على الدوام بأنه إنسان غير سوي ويشعره بالنقص، وهذا ما جعله مفرط الحساسية في تعاملهمع الآخرين .

فكل هذه الأسباب داهمت حياته والتي جلها ترتبطبالمشاعر وأحاسيس الإنسان، ليبقى (الإنسان) عند (دوستويفسكي) محورا أساسيا تناولسلوكه بكل هذه الإشكاليات في كتاباته؛ وهي محاصرة بين الإمراض النفسية والسلوكية،من (السادية) و(المازوخية) و(النرجسية)، وبين الشعور بالألم والنقص والعذابالمتمحور في ذاته وبظروفها القاسية لإظهار حب (الخير) للأخر بإيمان، وإن إيمانهيتجه دوما ما بين انتصار الحب والخير والفضيلة، وبين الرغبة الجامحة بالظهوروالغطرسة والتعالي؛ ليجد نفسه محاصرا في واقع متناقض لظروف التي يعيشها الإنسانوبما يثير الارتباك في سلوكه؛ فيحاول تبرير فشله وإخفاقه بشتى طرق وأساليب منالخدعة والاحتيال والتلاعب وخداع النفس وتبرير الخطيئة.

وكل هذه أساليب قدمها (دوستويفسكي)، عبر أفكارعرضها وناقشها باستفاضة في محاور شخصيات التي قدمها في مؤلفاته؛ فكل رواية تحمل شخصية تفاجئ القاريبسلوكها بما تقدمه من تناقض في مفاهيم التي اعتبرها (دوستويفسكي) حتمية وإنها تواجهالإنسان وهو يعيش على هذه الكوكب؛ فهو لا يسقط المفاهيم الفلسفية والنفسية التيتكون حاضرة في إعماله الإبداعية؛ بل حتى المفاهيم المسيحية وتعبيراتها؛ بما جعلها(دوستويفسكي) بعد بلورتها - وفق أفكاره - فيطرح واقع الافتراض للاختيار المثالي والقرارالصحيح بشكل مثير يتجاوز ما فرض في طبيعة العالم كإحدى محاولاته لتقديم رؤيةمعاصره وفق طبيعة سيكولوجية المعقدة والتي تهتدي إلى قواعد قد تكون أحيانا ثابتة وأخرى متناقضة، كما طرحها في رواية (الجريمةوالعقاب) و(الإخوة كارامازوف) و (الأبله)، لأن (دوستويفسكي) يطرح شخصيات ميتافيزيقيةوهي تطرح رؤيتها بدوافع العقل الباطن بشكل اللاوعي واللاشعور، لان ليس هناك منتفسير من وجود هذا الكم من المجرمين والعبثيين والسكارى في رواياته؛ إلا بكونهعايش هذا الأوساط في طفولته وفي تجربة في المنفى، وهو ما انعكس على شخصيات روايته،ولهذا كانت رغبته في معالجة القضايا التي كانت مطروحة في عصره كالعدالة والإيمانوالإلحاد وغيرها وهذا ما جعل أبطاله استثنائيين؛ فتاتي وهي مليئة بالمتناقضاتوالعنف والهذيان والانطواء والتمرد والعبث والندم والانفعال والخوف، لذلك فاناتجاهات شخصيات (دوستويفسكي) دوما تتجه إلى (الانتحار) حينما تصل إلى قمة اليأس و تنغمسفي احتساء الخمر والهذيان للهروب من واقعها؛ وحينما تعجز حتى من الهروب تلجئ إلىارتكاب جريمة القتل والعنف وتمزيق الذات، لان وعي الإنسان الذي يقدمه يستيقظ وهومتلبس من إيجاد فهما للحياة؛ فيسقط أسير القلق والمعاناة والآلام؛ وعن هذه الحقيقةالمؤلمة للبشر تفصح شخصية (راسكولنيكوف) في (الجريمة والعقاب)، فتقول:

((..يصبح البشرمسعورين ومجانين، ولكن يعدون أنفسهم على ذكاء لم يزمعه البشر لأنفسهم في يوم منالأيام قط؛ فهم يعتقدون بأنهم معصومين من الزلل، و مبرؤون من الخطأ في أحكامهم، فينتائجهم العلمية، في مبادئهم الأخلاقية والدينية.

إن قرى ومدنا وأمما بكاملها قد سرت إليها هذهالعدوى، وفقدت عقلها، وأصبح أفرادها يعيشون في حالة جنون، لا يفهم بعضهم عن بعضشيئا، لا يفهم أحد منهم عن أحد شيئا؛ كل واحد يؤمن بأنه الإنسان الوحيد الذي يمتلكالحقيقة، فإذا نظر إلى الآخرين تألم وبكى ولطم صدره وعقف يديه لوعة وحسرة، نعم إنالناس أصبحوا لا يستطيعون أن يتفاهموا على ما ينبغي أن يكون شرا وما ينبغي أن يكونخيرا، أصبحوا لا يستطيعون لا أن يدينوا ولا أن يبرؤوا...!

أصبح البشر يقتل بعضهم بعضا تحت سيطرة بغض لامعنى له وكره لا يفهم، هم يجتمعون ليؤلفوا جيوشا كبيرة، فما أن يدخلوا معركة حتىيندلع الشقاق في جميع الصفوف فتنحل الجيوش، ويأخذ الجنود يهجم بعضهم على بعض،فيأكل بعضهم بعضا، ويذبح بعضهم بعضا، ويلتهم بعضهم بعضا، في المدن يدق ناقوس الخطرطوال النهار، ويستنفر الشعب، ولكن ما الذي يستنفره ....؟ ولماذا يستنفره ....؟

ذلك أمر لا يعرف أحد عنه شيئا، الرعب يستبدبجميع الخلق، المهن العادية هجرها أصحابها، لأن كل واحد يعرض آراءه وإصلاحاته، ومامن أحد يستطيع أن يتفق مع أحد، الزراعة أُهملت إهمالا تاما، هنا وهناك يجتمعأناس فيشكلون جماعات ويتهافتون على القيام بعمل مشترك، متعاهدين بأغلظ الأيمان علىألا يفترقوا قط، ولكنهم ما يلبثون أن يشرعوا في شيء لا يمت بأي صلة إلى ما عقدواالنية على القيام به، ثم ما يلبثون أن يأخذوا في التراشق بالتهم، ثم ما يلبثون أنيقتتلوا فيذبح بعضهم بعضا؛ وتشتعل الحرائق، وتظهر المجاعة؛ كل شيء يصيبه الدمار..))،فشخصية (راسكولينكوف) هي شخصية ابتكرها (دوستويفسكي) اثر عودته من منفاه في (سيبريا)،فبلور كثير من المفاهيم التي تأثرت في نفسيته اثر مكوثه هناك لفترة ليست بالقصيرةفي هذه الشخصية فيقول:

((..ترى أين قرأت أنرجلا محكوما عليه بالإعدام قد قال أو تخيل قبل إعدامه بساعة أنه لو اضطر أن يعيشفي مكان ما، على قمة فوق صخرة، بموضع لا تزيد مساحته على موطئ قدم، وكان كل ماحوله هوة سحيقة ، خضما كبيرا، ظلمات أبدية، عزلة خالدة، زوابع لا تنقطع، وكان عليهأن يبقى واقفا على موطئ القدم هذا أبد الدهر، لظل مع ذلك مؤثرا أن يعيش هذه العيشةعلى أن يموت فورا، أن يعيش فحسب...!

أن يعيش... !

أن يعيش أي عيشة،ولكن أن يعيش ...!

نعم، أين قرأت هذا ؟ما أصدق هذا الكلام ! رباه .. ما أصدق هذا الكلام ...!

ماحاجتكم دائما إلى أن تغمروا بالنعم أولئك الذين لا يعبئون بها ، أولئك الذين لايستطيعون تحملها، لعله كان يسعدني جدا أن أموت......!

ما حاجتكم هذه دائماإلى تعذيب الناس..))، حيث ابتكر هذه الشخصية أي شخصية (راسكولينكوف) بشخصية (طالب)وهو يعيش حالة البؤس والفقر في غرفة كئيبة صغيرة وهو يرفض أية مساعدة من قبل الآخرينليعيش عالمه فيقول:

((..إنه لمن الصعب أنيهمل المرء نفسه إهمالا أشد من هذا الإهمال، ولكن منظر مسكنه هذا، وهو فيما هو فيهمن حالة نفسية خاصة، كان يمضي إلى حد أن يولد له شيئا من لذة؛ كان قد انفصل عنالعالم انفصالا حاسما، وكان يعيش كالسلحفاة المحبوسة في قوقعتها..))، وبكل ما كانيشعر من الألم النفس ومفاهيم ومعضلات الأخلاق يقول:

((.. إننا نستطيع عند اللزوم أن نخنق حتىإحساسنا الأخلاقي، إننا نستطيع عند اللزوم أن نحمل إلى السوق كل شيء فنبيعه فيها:الحرية، الطمأنينة، وحتى راحة الضمير..))، ليتصاعد في فعله بارتكاب جريمة قتل حيثيخطط لها ويقوم بتنفيذها بحق امرأة يصفها بعديمة الضمير، تقرض المال، وحين يشرعبقتلها فيبرر فعله بالدفاع بكون الأموال المقرضة يمكن توجهها للأعمال الصالحةبارتكاب جريمة تقضي على الحشرات لا قيمة لها، وفعل بهذا المبدأ هو كما يقول كأفعال(نابليون)، حين يكون القتل من اجل تحقيق هدف أسمى فيقول:

((..إن الرجال ينقسمون، بحكم قوانينالطبيعة، إلى فئتين بوجه عام: فئة (العاديين)، الذين لا وجود لهم إلا من حيث إنهممواد إن صح التعبير، وليس لهم من وظيفة إلا أن يتناسلوا.

وفئة عليا هي فئة (الخارقين)، الذين أوتوا موهبة؛وأن يقولوا في بيئتهم قولا جديدا؛ ولا شك أن هناك تقسيمات فرعية لا حصر لعددها،ولكن السمات المميزة التي تفصل هاتين الفئتين قاطعة هي الفئة الأولى، وهي فئة المطعون،فإن أفرادها على وجه العموم، أناس خلقوا محافظين، وهم أناس معتدلون يعيشون فيالطاعة ويحلو لهم أن يعيشوا في الطاعة، و(عندي) أن عليهم أن يطيعوا، لأنالطاعة هي ما كتب لهم، وليس في طاعتهم ما يسيء إليهم أو يذل كرامتهم.

وأما الفئة الثانية،فهي تتألف من رجال يتميزون بأنهم جميعا يكسرون القانون، وبأنهم جميعا مدمرون، أوبأنهم جميعا ميالون إلى أن يصبحوا كذلك بحكم ملكاتهم، وجرائم هؤلاء الرجال تتفاوتخطورتها وتتنوع أشكالها طبعا، وأكثرهم يريدون تدمير الحاضر في سبيل شيء أفضل، فإذاوجب على أحدهم؛ من أجل تحقيق فكرته، أن يخطو فوق جثة، أو فوق بركة دم، فإنه يستطيع(في رأيي) أن يعزم أمره على أن يخطو فوق الجثة أو بركة الدم مرتاح الضمير، وكل شيءرهن بمضمون فكرته، وبما لها من أهمية طبعا.. على انه لا داعي للقلق كثيرا، فإنالجمهور لا يكاد يعترف لهؤلاء الرجال أبدا بمثل هذا الحق بالعكس، إن الجمهوريضطهدهم ويشنقهم (كثيرا أو قليلا)، وهو في هذا يمارس حقه، ويقوم بوظيفته كجمهورمحافظ، رغم أن الأجيال اللاحقة من هذا الجمهور نفسه ستخلد ذكر أولئك المضطهدينالمعذّبين فتقدسهم (كثيرا أو قليلا)، فالفئة الأولى من الرجال هم سادةالحاضر، والفئة الثانية هم سادة المستقبل. الأولون يحفظون العالم ويزيدونه كماوالآخرون يحركونه ويقودونه إلى غاية..))، لنجد ليس في هذا المقاطع من (الجريمةوالعقاب) والتي في مجملها تطرح الكثير من مواقف الإنسانية والأفكار الفلسفية لايمكن حصرها، لان الشخصية التي قدمها (دوستويفسكي) والمتمثلة في شخصية (راسكولينكوف)هي شخصية ليست مجرد (قاتل) للمرابية العجوز لان (دوستويفسكي) اعتبر هذا التفسيرخاطئ، لان الجريمة بكل اعتباراتها كانت أعمق من مجرد (قاتل) و(مقتول)، بقدر ما كانتتواجه المجتمع بسلسلة من الأسئلة المهمة التي لا تنتهي حول حقيقة (العدالة) وإمكانيتهامن تحققها، ومن هو المجرم الحقيقي.....؟

ومن هنا نستطيع القولبان تجربة (دوستويفسكي) مع الوجود، ثم تجربة النفي والسجن في (سيبيريا)، هي منفجرت عبقرية (دوستويفسكي) وأثمرت إنجازات أدبية مذهلة في بداية انطلاقه الأدبي،حيث كانت رواية (الجريمة والعقاب) و (الأبله).

وحينما نتوجه إلى رواية(الأبله) فإننا سنستشف منها عالم لا يقل أهمية عن عالم الذي وجدناه في (الجريمةوالعقاب) فهنا البطل هو الأمير(ميشكين)، هذه الشخصية هي أكثر شخصيات الرواية شبها بحياة(دوستويفسكي)، فهي تحكي عن الأمير (ميشكين) وهو من يطلق عليه لقب (الأبله) وهو شابفي أواخر العشرينات من عمره ينتمي لأحد العائلات الراقية في روسيا، مريض بـ(الصرع)هو يتشابه كثيرا كما قلنا - مع الكاتب (دوستويفسكي)، فقد أصابه (الصرع) و كانملازما له طوال عمره وهذا الشاب قضى ما يقرب من أربعة سنوات من عمره في عيادةسويسرية، ثم يعود مرة أخرى إلى (سانت بطرسبرغ)، و تجسد الرواية المعاناة التي قدعاشها هذا الأمير، تبدأ الرواية بعد عودة الأمير (ميشكين) من سويسرا بعد رحلة علاجطويلة، و في طريق عودته في القطار يتذكر بعض المواقف التي تعطي للقارئ لمحة مفصلةعن حياته، فهو يتصف بالعفوية و طيبة القلب و يتصرف بطريقة تجعل من حوله يطلقونعليه لقب (الأبله)، بعد ذلك يقرر الأمير (ميشكين) زيارة قريبته الوحيدة في (بطرسبرج)و أثناء تلك الزيارة يتعرف على بناتها الثلاث و هن أجمل بنات المدينة على الإطلاق،و تبدأ الرواية في أخذ القارئ لتفاصيل أكثر حول إقامة الأمير في (بطرسبرج) والأشخاص الذين قابلهم و تقوم بشرح علاقته مع الآخرين بشكل كبير، والأمير(ميشكين)هو رجل ساذج ولكن واثق من نفسه يملك طيبة طفولة ومثالي لدرجة كبيرة، ويتكلم دون أنيعير اهتمام لأحد، ويحاول قدر المستطاع أن يحقق السعادة لأعدائه وأصدقائه على حد سواء،مما يؤدي ذلك إلى الكثير من المتاعب لنفسه، لأنه لا احد يفهمه نظرا لأنه يتعامل معالعديد من الشخصيات منهم من هو (ماكر) ومن هو (فاسق) ومن هو (أناني)، ومع ذلك كانيطرح مواقفه في وجه الآخر للانتباه لما يقوله، فهو - على سبيل المثال - يقول:

((..اعلموا أن هناكحدا للغم والقهر والنكد الذي يحدثه في نفس الإنسان؛ شعوره بأنه لا شيء وبأنه عاجزفإذا تجاوز الإنسان ذلك الحد غرق في لذة خارقة..)).

و خلال إقامة الأمير(ميشكين)في تلك المنطقة يقع في دوامة عاطفة تؤثر عليه بشكل كبير، و يقوم بمصارعة نوعان منالحب، الحب الأول هو الحب الحقيقي بينهوبين (آجلايا) ابنة الجنرال، أما الحب الثاني فهو حب (أناستاسيا) وهي من شخصيات الرواية الرئيسية، و تتميزبأنها شابة جميلة، مثقفة و ذكية، و محبوبة من الجميع، يقع الأمير(ميشكين) في حبها،و ينتج عن هذا الحب نتائج مأساوية في نهاية القصة.

ويقول (دوستويفسكي)على لسان الأمير (ميشكين):

((.. إن جوهر العاطفةالدينية مستقل عن جميع البراهين، وجميع الأفعال السيئة، وجميع الجرائم وجميع مذاهبالإلحاد، إن في هذه العاطفة شيئا لا يمكن أن تدركه، ولا يمكن أن تناله أدلةالملحدين في يومٍ من الأيام، وسيظل الأمر على هذا النحو أبد الدهر..)) .

وهذا السرد والطرح مع بلورة الأفكار وتقديمها للقارئلا باعتبارها عمل سطحيا تنتهي عمل الرواية بنهاية قراءتها، وإنما يقدمها (دوستويفسكي)كفرصة لتأمل ومراجعة الذات وتقيم القيم وعمل الإنسان ليس لمرحلة محددة فحسب بل فيكل مراحل الحياة، ولهذا فان إعمال (دوستويفسكي) تكون حاضرة في كل العصور وتفرض وجودهابقوة، فأكثر من (مائة عام) مضت على إعمال (دوستويفسكي) ولكن مازالت تقرأ بشغف وكأنهاروايات معاصرة، والسبب بان (دوستويفسكي) قدم وطرح في إعماله الأدبية تحليلا شاملالنفس الإنسان والتي تتنوع وتختلف وتتطابق بالمشاعر والأحاسيس؛ ولكن في الايطارالعام هي مشاعر نفسية موجودة في كل إنسان؛ وان الاختلاف يكمن بالحالة المرضيةصعودا وهبوط في درجاتها وشدة تأثيرها علىسلوك الإنسان بشكل مختلف عن الأخر زمانا ومكانا، وهذا ما حرص تقديمه (دوستويفسكي)في عموم ألرواياته وكما نلاحظها في رواية (الأبله) و(الجريمة والعقاب) و(المقامر)و(الإنسان الصرصار) و(الإخوة كارامازوف)، حيث تكاثف فيها الأفكار والآلام والمعانات والتيمن خلال هذا الضغط النفسي ومن خلال حجم التوتر والقلق الذي يخيم على أجواءرواياته؛ فانه يوظف كل الوسائل لعرض معاناة والقلق والهذيان التي تشعر شخصياتهوعلى أكمل وجه، لتؤكد على حالة التوتر التي تخيم على أجواء الرواية؛ فهو يستخدم أقسىتعبيرات لخلق تجانس بين جو العمل والحالة النفسية التي تشعر شخوص الرواية والأفكارالتي تنطلق من خلال الضغط النفسي الذي يشعر به الإنسان، وبهذا تتميز روايات (دوستويفسكي)بتعبيرها الحاد المعبر عن مكنونات الذات ومشاعر النفس، فيكون تصويرها في النص غنيبتعقيدات سلوك الإنسان وشخصيته، والتي تؤول بشتى تفسيرات، لان الكثير من سلوكيات الإنسانتأتي ببواعث من الشعور الواعي واللا الواعي، ولهذا حاول (دوستويفسكي) تسليط الضوء والإحاطةبكل ما تتجه إليه النفس البشرية، رغم إن اعتقاد (دوستويفسكي) بان (النفس البشرية) هيفي كل معطياتها ستبقى لغزا لا يمكن تحليها تحليلا دقيقا، وستبقى غامضة منفلتة لحجماللامعقول في سلوكها وعبثيتها وتمردها، ومن هنا فان (دوستويفسكي) اعتبر أحد اكبرمنظري (النفسانيين) في علم النفس البشري بقدر ما اعتبر مؤسس (المذهب الوجودية)، حيث نجد في روايته (الإنسان الصرصار) منطلقالتفريخ كل أفكاره بـ(الوجودية)، حيث يتطرق بشكل فلسفي حديث؛ عن أهم معضلات (الوجودية)التي كانت الفلسفة الأوربية تطرقها آنذاك في محافلها الفكرية، ويطرح (دوستويفسكي) آراءهفي موضوع الرواية التي تتناول قصة رجل الذي يمثل شخصية الرواية وهو في أربعينياتالعمر؛ ففي قرار ذاته يرى نفسه إنسان مكروه وبائس بفعل الآم جسده وعقله، إضافة إلىمعتقداته الشخصية التي ترى بالتقدم والتطور بكونه شيء خاوي لا يستحق إن نعطي له أيةأهمية، ويفضل إن لا يفعل شيء، ويتفرغ لتأمل فحسب، بكون ذلك أفضل من أي شيء أخر فيهذا الوجود، وهذا الطرح الذي قدمه (دوستويفسكي) في روايته؛ يعتبر نواة الفكر(الفلسفة الوجودية) سبق (جان بول سارتر)، لتعتبر هذه الرواية أول رواية في (الفلسفةالوجودية).

فـ(الإنسان الصرصار) تطرح فكرة مفادها؛ بانالإسراف والتوغل في عمق إدراك الأشياء والشعور بذلك يعتبر (مرض)، وكل (إسراف) فيإدراك الأشياء يعتبر مرض، لان حينما ينقاد الإنسان إلى التصرف والتعامل مع الآخرينوفق قدره على التفوق وإظهار تفوق ذكاءه لا محال ستتسبب له مشاكل لا تعد وتحصر؛وبالتالي يعتبر الذكاء (مشكلة) وشدة الإدراك في ماهية كل ما يحيطه تعتبر (لعنة)حقيقية؛ والتفكير بكل صغيرة وكبيرة يعتبر (مرض)، لذا فان (دوستويفسكي) يثير في هذهالرواية بقوله: كل وعي (مرض)، ليعطي لـ(لعطالة) اللا العمل، بكونها هي الثمرةالطبيعية للوعي . لتكون رواية (الإنسان الصرصار) رواية الاغتراب والتناقض، التيقدر للإنسان إن يعيشها، ولهذا فان شخصية الرواية يقدمها (دوستويفسكي) يقدمه (بدوناسم)، باعتباره إنسان يعيش وجوده كأي إنسان مما نراهم من حولنا؛ فهو قد تقاعد بعد إنكان يعمل في عمل بسيط، ليؤجر له (سرداب)تحت الأرض، ليقوم بسرد لقراء وهميين مذكراته الشخصية، وفي سردابه؛ راح يكتب بعمقوبكل ما يكابده، ولعل أن (دوستويفسكي) هنا يحلل شخصية الإنسان تحليلا نفسيا وربماهو يحلل ذاته، في وقت الذي لا بد إن نذكر؛ بان آنذاك (علم التحليل النفسي) لم يكن مفاهيمهقد رسخت كما هو عليه اليوم، فـ(دوستويفسكي) يطرح موضوع (الأنانية) وهيمنتها على (المنفعةالذاتية)، كما ويطرح (المثالية) للإصلاح الاجتماعي والسياسي، واستحواذ التطورالتكنولوجيا على الحقيقة، وهذه المعطيات الفكرية العميقة يحملها في الرواية ليعطيهابعدا فلسفيا ونفسيا شاملا لتتخطى الرواية بعدا أوسع مما هي عليه لتتخطى زمانها،وحين نعمق أكثر في الرواية فان (الجزء الأول) والذي يحمل عنوان (تحت الأرض) حيثيعرض بطل الرواية وهو يعرف بنفسه وبأفكاره ومعتقداته، والوضع النفسي الذي هو فيه، وهذهالشخصية في الرواية الذي لم يعطي - كما قلنا (دوستويفسكي) اسما له - فهذا الجزءيحتوي على أحد عشر فصلا، وجلها تتحدث عن المعانات هذه الشخصية وحجم التشويش النفسيالتي تعتريها ليتخذ هذا الإنسان من كل كذلك منفذا للانتقام من نفسه، وهنا هو يعرضوجهة نظره على مدى تردي الأخلاق في المجتمع كما يراه ويلتمسه من محيطه؛ وفي هذاالجزء فان (دوستويفسكي) يبدع في نصوص بلغة غير عادية وهو يقدم رجل مريض فيقول:

((..أنا إنسان مريض؛ إنسان حقود؛ إنسان ممقوت،وأظن أن كبدي مريضة، إلا أنني - على أي حال - لا أعرف شيئا عن مرضي.. ولست أستشيرطبيبا.. رغم أنني أحترم العقاقير والأطباء، إضافة إلى أنني متعلق بالخرافات إلى حديجعلني أحترم العقاقير، ومهما يكن فإنني مثقف إلى حد يكفي لجعلي لا أصدق الخرافات،إلا أنني أؤمن بها على الرغم من ذلك..))، ويقول أيضا: ((..يحدث الاستمتاع بسبب إفراطكفي إدراك انحطاطك، وشعورك بأنك قد وصلت إلى آخر الحدود وأن ذلك رهيب، إلا أنه لايمكن أن يكون غير ذلك، وأنه ليس في استطاعتك أن تنجو منه، وأنه ليس في استطاعتكأيضاً أن تكون إنسانا مختلفا، وأنه حتى إذا كان لديك شيء من الإيمان ومتسع منالوقت لتصبح إنسانا آخر، فإنك لا تريد ذلك، وحتى إذا رغبت في ذلك، فإنك لن تفعلشيئا منه، لأنه ربما لا يوجد في الواقع ذلك الشكل الذي تريد أن تكونه؛ إن أفظع مافي الأمر ينجلي في أن ذلك كله متفق مع القوانين الأساسية في الطبيعة، والتي تميزالإدراك الشديد، بما في ذلك القصور الذاتي و(الاستمرارية الذاتية) التي تعتبرنتيجة مباشرة لتلك الأول، ولذلك فإنك لست غير قادر على تغيير نفسك فحسب، وإنما لاتستطيع أن تفعل شيئا بالمرة أيضا؛ ونستنتج من ذلك أن الإنسان غير ملوم إذا صارنذلا من جراء هذا الإدراك..))، وفي مقطع أخر يقول:

((.. من الصعب علىنفسي أن أجلس مكتوف اليدين، ولهذا فقد حاولت أن أحطم قيودي، ولكم أن تصدقوا هذا؛ولو نظرتم إلى أنفسكم أيها السادة لعرفتم ما أعني، ولتبين لكم صدقه؛ لقد خلقتلنفسي بعض المغامرات، واصطنعت حياة ما لأنني كنت أريد أن أعيش بأية طريقة؛ وكم كنتأتضايق وأنزعج بدون سبب يدعو إلى ذلك، وكنت أصطنع ذلك اصطناعا، عالما بأنه لا وجودلذلك الضيق في الواقع، وبأنني أخلقه لنفسي خلقا؛ وكنت طيلة حياتي أجد في أعماقيدافعا يدفعني إلى التظاهر بهذه الأكاذيب وقد بلغ بي ذلك أنني لم أعد أستطيع أنأتغلب على هذا الدافع في نفسي..)) .

أما (الجزء الثاني)من (الإنسان الصرصار)، فيحمل عنوان (مهداة إلى الثلج الندي) وفي هذا الجزء فان شخصية الرواية إنما تعبر عنتجربة (دوستويفسكي) الشخصية، وتأثره بالواقع الذي انعدمت فيه العدالة الاجتماعية،ولهذا فانه يكسر الحاجز الزمني، ويتواصل مع ما يدور من صراع داخلي في ذهن إنسان؛ ليس فحسب في عصره بل في العصور ألاحقة، وهذهالقدرة في قراءة الواقع هي من جعلت هذه الرواية تحاكي وجها لوجه المجتمعات الحداثةوالمعاصرة وتداعياتها المختلفة على تشكيلة النفسي . فالرواية تسهم في مجمل أحداثهافي توجيه شخصية الإنسان نحو الاغتراب والتهميش والضمور لكي يعيش كما يرغب الآخرين،ولهذا فهو يقرر الانسحاب من حياة المجتمع والبحث عن وسيلة للتعبير عن نفسيته بسردخواطره في مكان مجهول لا يعلم بوجوده احد سواه فيختار (السرداب) كأفضل مكان يضمنله هذا النوع من التواصل الاجتماعي الغريب، ولان الرواية كلها في غاية الأهمية فإننانسلط الضوء عن بعض الفقرات عنها ليس بكونا هي الأفضل بل كنموذج؛ لان الرواية لا تكتملجمالياتها إلا بقراءتها من أول السطر والى أخر جملة فيها؛ ومن فقرات الروايةنختار: ((.. أ تعرفون أيها السادة ما هي الميزة الأساسية في حقدي...!

إن المشكلة كلها والجانبالمؤذي فيها كامنان في أنني، حتى في أشد لحظات حقدي، أحس في أعماقي بالخجل من أننيلم أكن غير حقود في الواقع وحسب، وإنما لم أكن أشكو من شيء قط، كنت أخجل من أننيلم أكن غير ضارب الأرض بلا هدف، يفزع العصافير الآمنة في طريقه، واجدا في ذلك متعةأي متعة....! ..)).

ومن هنا فان (دوستويفسكي)ابتكر شخصيات رواياته من عمق ذاته فهي بالتالي تمثل (ذاته) بهذا الشكل أو ذاك؛ فهولم يخفي شيء من أعماق ذاته إلا وعبر عنه وكشف عنه فحالة الصرع التي كانت تندب (دوستويفسكي)كانت تكشف ما في أعماق؛ فهي بالتالي لم تكن حالة (مرضية) عنده بقدر ما كانت حالة (استكشافواستشراق الروح)، التي هي من كانت تزوده بهذه القدرة في تحليل الأشياء ليبقىللانبهار في تحليلاته لسلوك الإنسان مدعاة الإعجاب في كل العصور، لان ذكاءه كانذكاءا غارقا؛ استطاع إن يسبر أعماق النفس الإنسان، لان معاناته مع مرضه أزاده إحساساورهافة بالآم الإنسان وعذابه؛ وهذا ما دفعه إلى تعمق في فلسفة الحياة والوجود؛ وهوما عكس في تركيبة التي صنعها في شخصيات رواياته، ولهذا نجدها مليئة بالمتناقضاتبين العقل والعاطفة وبين المادية والمثالية وهذا ما حدا بهذه الشخصيات إلى مرافقةالصراع مع مصيرها بين قدر الحياة والموت؛ لتكون تجربته في صناعة الحوار الفلسفي فيحقيقة هو هذا الصراع مع روايته (الأخوة كارامازوف) والتي تبحر في مأساة أسرة(كارامازوف)عبر مداخلات في أحداث الرواية التي تدور وتبحث في مواضيع عديدة وتناقشقضايا الإيمان و الأخلاق و في عوالم النفس البشرية.

و قصة الرواية هي جريمة قتل الأب لأبنائهالثلاثة الذي يرمز كل شخصية منهم إلى فكرة معينة (العقل) و(الجسد) و(الروح)، لتعدمن أعظم وأعقد رواية له والتي كانت مدار اهتمام الكثير من المفكرين والفلاسفةومحللين النفسانيين؛ وقد أمضى في كتابتها أكثر من عامين وقد توفي بعد نشرها بأربعةأشعر، ونظرا لرغبة (دوستويفسكي) تشخيص نفسه في شخصيات الرواية ليعبر عن كل ما يجولفي عقله وروحه وخواطره؛ فقد صنع في هذه الرواية شخصيات عدة تميزت كل واحدة منها بشيءمن التميز عن الأخرى؛ وهو الأمر الذي حينما نتبع الإحداث يصعب علينا من إيجاد موقع(دوستويفسكي) من بين هذه الشخصيات، فشخصية (إليوشا) تناقض كليا مع شخصية (إيفان)، فالأولمؤمن والثاني ملحد، لدرجة التي تشمل منطلقاتهم الفكرية تحديا للمتلقي باستيعاب هذاالتناقض إن ينطلق من عقل (دوستويفسكي)، ليعبر بمنطلقات فكرية كل واحد منهم عالمخاص بذاته، على نحو ما يقوم به (المدعي العام) و(محامي الدفاع) في الرواية، فالأوللا يوجد عنده (أي شخص بريء؛ حتى الأبرياء هم مذنبين) وعند الثاني (الكل هم أبرياء؛حتى أكثر المجرمين إجراما)، وهذان النموذجان المتناقضان في الحقيقة؛ هو ذروة الصراعالقائم في مخيلة (دوستويفسكي)، وهذا الصراع هو ما تثيره الرواية؛ بإمكانية أن يكونقاتل الأب هو الابن غير الشرعي في رواية ولكن (دوستويفسكي) تساءل عن دور (إيفان)المثقف الملحد الذي يصرح بان كل شيءٍ مباح وألهم القاتل، فيا ترى أيهما القاتل الحقيقي...؟

فهذا (الانفعال) و (كبتالانفعال) القائم في عموم الرواية لم ينهيه (دوستويفسكي) ليس في هذه الرواية بل فيعموم رواياته، وهذا التناقض في حقيقته هو تناقض القائم في شخصية (دوستويفسكي) بكونها (شخصية أخلاقية) وفيذات الوقت كونه (شخصية آثمة) بمعنى انه تراه هو (مدعي العام) وتارة أخرى هو (محاميالدفاع)، ولهذا كان (دوستويفسكي) يشعر بما في أعماقه من هذا التناقض لذلك التجاء إلىالكتابة كخير طريقة لقمع هذه التناقضات في ذاته، لذلك وجد ضالته في الرواية (الإخوةكارامازوف) فطرح خلاصة أفكاره حول (الإيمان) و (وجود الله) اي بين (الإلحاد) و(الإيمان)،فـ(دوستويفسكي) لم يؤمن بوجود الله ولم يعترف بوجوده؛ وقد وصل إلى هذا الإيمان تدريجياعبر معطيات التحليل ما بين الشك والإلحاد بمشقة العذاب ولهذا فهو يقول عن الروايةبان فيها ((كل شيء))، وهذه الكلمة الأخيرة في (الإخوة كارامازوف) يمكن في عقل (دوستويفسكي)أن تتحول إلى ((كل شيء)).

و(كل شيء)، في مخيلة (دوستويفسكي)أمر قائم وجائز ومتوقع في أية لحظة من لحظات التي يعيشها الإنسان؛ فكما كانتتجربته مع الموت والحياة قائمة؛ حين اخذ صفا من صفوف الإعدام اثر صدور حكم الإعدامبحقه وفق قرار صدر بإعدامه رميا بالرصاص؛ ولكن في اللحظة الأخيرة التي وقف المنفذينالحكم يتأهبون لإصدار أمر إطلاق النار؛ وقف تنفيذ الحكم ولم يعدم (دوستويفسكي)....!لتكون هذه التجربة التي لم يصدقها حتى نهاية مشوار حياته؛ والتي أثرت تأثيرا بالغافي سلوكه؛ الأمر الذي اعتقد جازما بان (كل شيء) ممكن وجائز و متوقع حتى في أخر ثانيةمن ثواني الزمن والوجود الذي يعيشه الإنسان.

ولهذا فإننا في مجمل رواياته نلتمس ونتوقع (كلشيء) في تطور إحداث الرواية؛ ونكون إمام تصاعد حبكتها متوقعين ما لا نتوقعه ، وهذههي عظمة (دوستويفسكي ) في كتابة الرواية، لأنها تشد القاري إليها، بكون تصاعدالإحداث تتوجه بغير ما يمكن توقعه؛ نظرا لتشابك وتداخل العقد النفسية التي يركز (دوستويفسكي)عليها والتي من طبيعتها لا تخضع لأي قواعد ثابتة؛ بقدر ما تتلاعب بها المشاعروالأحاسيس وهي تكون وفق الإحداث والمؤثرات البيئة والمحيط، مضطربة وسوداوية النزعةوليس لها اتجاه ثابت؛ تأتي وتمضي كالرياح بدون شكل ولا جسد ولكن تترك اثأر مدمرة إذعصفت بشدة أو عكسها، وهذا ما نلاحظه وليس حصر في رواية (المراهق) وهي رواية تتميزببعدها النفسي والسلوكي وتشابك العقد النفسية والجنون والفوضى والتمرد الطائشوالعبثية تتداخل فيها صراعات نفسية مربكة بين ما هو داخلي وخارجي التي ترافق بطلالرواية وهو مراهق متمرد وطائش تصارع في دواخله موجة من الأوهام والآمال والطموحاتفي ظل بيئة المحيطة بين العائلة والأصدقاء والمجتمع وما انعكس عليها من آثارالحياة السياسية والاقتصادية والمجتمع البرجوازي في روسيا القيصرية.

فـ(المراهق)، هو(آركادي ماكاروفيتش) يعيش منخلال الصراعات مع نماذج إنسانية مختلفة في الرغبات والأهواء والنزوات، فيسعىللتمرد عليها عندما يضع نصب عينيه أن يصبح غنيا، ولكنه يصطدم بالمتناقضاتوالشخصيات التي تحول دون الوصول إلى هذا الهدف؛ ولما كان المراهق هو ابن غير شرعيلـ(فرسيلوف) وأنه في الأصل ابن بستاني من الأقنان المجتمع، وأثناء عمله مع الأمير (سرجيبتروفيتش) يقع في حب ابنته (كاترين نيقولايفنا)، والتي يعرف فيما بعد، أنها عشيقةوالده (فرسيلوف) و من خلال علاقاته يكتشف وثيقة كتبتها (كاترين) لأحد المحاميين،تسأله عن طريقة قانونية تتخذها لتثبت أن أباها مجنونا بحكم القانون، وتستولي علىثروته، لكنها تعدل عن هذا القرار بعد فترة وتثوب إلى رشدها، وبطريقة ذكية يحصلالمراهق (آركادي)على هذه الوثيقة من (كرافت) الذي مات منتحرا ويبقيها في جيبه،لتبدأ مناورات وألاعيب (المراهق) مع أبيه ومع (كاترين) و(تاتيانا بافلوفنا)المربية، وينجر إلى علاقات أعمق وأوسع في سبيل فكرته مع لصوص ومجرمين ومشردين ومنهم(لامبرت) زميل الدراسة، والذي كان يضربه ويهينه وينعته بكونه ابن (زنا)، وليس لهاسم ومكانة اجتماعية، وأخته غير الشرعية (آنا أندريفنا) التي يسعى لخطبتها الأميرالعجوز(سرجي بتروفيتش)، والتي علمت بأمر الوثيقة، فكان من مصلحتها أن تحصل عليهالتبين للأمير وجه الحقيقة، وأنه مخدوع من أقرب الناس إليه. وتتشابك أحداثالرواية وتتصاعد حبكتها وتتداخل مع بعضها، من خلال الرغبات والأهواء المتصارعة فيشخصياتها؛ وتتخللها مشاهد مثيرة يحبكها (دوستويفسكي) بخبرة ودراية نفسية عميقة، بماتضمنت الرواية من شخصيات مزدوجة الإرادة والمشاعر؛ وما تعقبها من إحداث دراماتيكيةمثيره، فهو يقدم هذه الشخصيات في لحظة متجهة نحو الانهيار دون إن تعرف ما سيؤول فعلهاو مصيرها؛ عبر تحليل عمق في سلوك الإنسان وطبيعته النفسية المضطربة.

ومن هنا فان شخصياترواية (المراهق) وكل روايات (دوستويفسكي) التي قدمها؛ تقدم بدون مواربة أخلاقوثقافة وقضايا نفسية معقدة وشاملة؛ فمنها من تفقد صوابها، ومنها من تستردها، ومنهامن تسقط ضحية لرغبات وأهواء، ومنها من يفقد عقله؛ لتضعنا رواياته أمام غرائز النفسوالسلوكيات المرضية للإنسان؛ الغير المتزنة، بل إن (دوستويفسكي) في عموم رواياتهيحرص على تسليط الضوء مع الغوص في سلوك الإنسان وما يصدر من أعماق النفس بفعل إراديأو اللا إرادي، والتي تطرح لنا أسئلة فلسفية عميقة في قيمة الوجود والإيمان والأخلاقوالمقرونة بالتحليل النفسي والسلوكي للإنسان، هذا المعرفة النفسية والسلوكية التيلم تكن آنذاك موسعة كما هو الحال اليوم؛ ولكن (دوستويفسكي) استطاع بعبقريتهوبتفكيره المعرفي تحليل سلوك الإنسان وتقلباته المرضية والنفسية والسلوكية والاجتماعيةوبكل ما يعتريها من تناقضات وصراعات مع وجودها وعلاقاتها في أيطار المجتمع؛ بشكلمثيرا بحيث أصبحت مصدرا للبحوث النفسية لاحقا، فما طرحه (دوستويفسكي) من أفكار وماقدمه من تحليلات وما طرحه من الأسئلة عبر شخصيات رواياته وبطريقة متميزة والتيجلها تتعلق بالإنسان ووجوده؛ هي من جعلت رواياته جديرة بالقراءة في كل عصر لتميزهابطابعها التحليلي والتأملي والنفسي والفلسفي تسهم في تزويد الإنسان بالمعرفة .


 

جميع الحقوق محفوظة لموقع المحطة  Copyright   All Rights Reserved - Almahatta.net

الصفحة الرئيسية

من نحن

سجل الزوار

دليل المواقع

اتصل بنا

مدينة القامشلي

صور من القامشلي

رياضة القامشلي

اطفال

نكت

ديانة مسيحية

قصص قصيرة

صور فنانين

هل تعلم؟

سري للغاية!

حوادث غريبة

ذكريات

مذابح

تعليقات الأخبار

تعليقات الزوار

 

عجائب وغرائب

تاريخ

مواضيع اخرى

اغاني MP3

 

 

Home   الصفحة الرئيسية