إقرأ في المحطة

 

ما بعد الحداثة الإنسان والفن بلا أبعاد



فواد الكنجي   2019/01/27

ما بعد الحداثة هي مرحلة من مراحل التي يعيشها الإنسان المعاصر بإشكاليات غير مفهومة في تحديد مسارالحياة وفق رؤية علمية أو معرفية، لا فهما.. ولا فكرا.. ولا تعريفا.. ولا منهاجا؛لا في نمط الحياة التي يعيشها؛ ولا في كيفية تعامله مع محيطه الاجتماعي؛ ولا فيسلوكه؛ ولا في أي اتجاه من الاتجاهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ ولا فيكيفية فهمه لمضمون التاريخ والوجود والحقيقة؛ وهذا الإشكالات لا تشخص اليوم فحسب فيتاريخ الحضارة الغربية؛ بل مد تأثيرها على أفاق الحضارة الشرقية، لان المنطلقالفكري والثقافي (ما بعد الحداثة) هيمنت عليه الثقافة الرأسمالية بعولمتها للعالم ومنخلال الاقتصاد والصناعة و الصناعة الاستهلاكية التي هي مركز محورها في كلالاتجاهات و وفق إستراتجية (التناقض والاختلاف المتداخلة)، ليحمل اتجاه (ما بعدالحداثة) بهذا الفهم (المتناقض المتداخل) العديد من القيم والاتجاهات الفكريةنتيجة (العولمة)، وبفعل ثقافة العولمة امتزجت الحضارات والمجتمعات، لتصبح المعلومةبتعدد مصادرها في متناول الجميع وكجزء من التطور والازدهار، و(المتناقض المتداخل)هو نتيجة الحياة الاجتماعية بين تناقض في أفكار الناس مع اختلاف الهوية الذاتيةنتيجة تنوع المجتمع وتداخل أجناس متعددة في بنيته أي في بنية المجتمع ذاته؛ وهذا مايخلق (الاختلاف المتداخل) في وقت الذي كان المجتمع (ما قبل الحداثة) متجانس بهويةواحدة في أيطار الهوية الوطنية لدولة، ولكنما تميزت المجتمعات (ما بعد الحداثة) هي سعة الفروق والتشكيك وعدم التماسكوالانفصال وعدم الاندماج المجتمعي، وهذا ما ينتج ويخلق جدل في كل شيء، وهو ما أدىإلى إعادة التقييم والتفسير طبيعة المجتمعات (ما بعد الحداثة) لفهم المعرفةالإنسانية بعد إن رفضت هذه المجتمعات مفاهيم (الحداثة) وأطروحاتها ونظرياتها السوسيولوجياالسابقة؛ و كل ما طرحه (كارل ماركس) و(فيبر) و(دوركايم) وآخرين، من خلال نقد وطرح ومعالجة تلك التصورات التيكانت تدعوا إلى التوازن الاجتماعي والتضامن والتماسك، بكون في مجمل اتجاهات (مابعد الحداثة) يتجه اتجاها بعيدا عن ذلك؛ إن لم يناقضه، بكونه يتجه نحو اللا مركزيةوتجزئة الموضوعات وتفسير الأفكار في إطارها اللغوي والاجتماعي، لان الإنسانالمعاصر في عصر (ما بعد الحداثة) يشعر وهو يعيش (العولمة) بشكل الذي نراه اليوم؛حيث الإنسان يقضي جل أوقاته أمام ما تعرض عليه الشاشات؛ والتي تتواصل تنوعهاوتطورها بابتكارات مذهلة وخاصة في مجال (الهواتف الذكية) و(اللابتوب) و(الأيباد)،لدرجة التي سلبت من الإنسان قدرته في تميز بين الواقع الذي يعيشه وبين الواقع الذييحلم ويتخيل فيه - أي بين الواقع(الافتراضي) والواقع (الفعلي) - ليتشكل وعي الإنسان باندماج بين الواقع الافتراضيوالفعلي ويكون ذكاءه وفق هذا الاندماج بين ما هو (فعلي) و(افتراضي) و(صناعي)، وقدساهمت الإنتاج السينمائي والتلفاز ووسائل الإعلام بما لها من مقدرات هائلة بصناعةاللذة، لكي يضيع ويذوب الإنسان ويتشتت بما تصنعه وتنتجه وتقدمه؛ فلا يعرف صوابه، وبذلكتفرض هيمنتها والتحكم في وعي الإنسان وضبطه من الداخل والخارج، أي أنها ساعدت على (تشيئه)،ليخلق الإنسان في عصر(ما بعد الحداثة) واقعا مزيفا لنفسه على انه واقع حقيقي لكثرةاستخدامه واستهلاكه، ونظرا الاستخدام الدائم والمتواصل لهذا النمط من الحياة وضمنهذا الإيقاع؛ لا محال يفرض للإنسان في المجتمعات (ما بعد الحداثة) نوعا من التفكيرالآلي عليه ليتحول إلى عنصر محددا بجزء بسيط من آلية الإنتاج الرأسمالي المحاطبشبكة لا تعد ولا تحصى من آليات معقدة ومتشابكة ومتفرعة ومتحركة على الدوام؛ لتخلقطبقة (بيروقراطية) تحكم قبضتها بالقمع والإغواء على الإنسان؛ لتصبغ حياته بصبغتهمو ليتشيؤه بالياتها، في وقت الذي يكون هو المستهلك لإنتاجه، وكحاصل تحصيل يكون (المجتمع)حصيلة لهذه الدوائر، مجتمع استهلكي تخلق لدى إفراد هذه المجتمعات حاجة لاقتناء مزيدامن السلع وهي زائدة عن حاجتهم وليست ضرورية؛ ولكنهم يقتنونها لمجرد الاقتناء فحسب؛لان طبيعة (المجتمع) في ظل هذه المعطيات وهو جزء منها؛ يعيش في وسط مجتمع استهلاكي؛ محيطه غارق بالسلع،وبمرور الوقت (يتشيؤ) الإنسان في هذا المحيط لتكون من ابرز صفات (ما بعد الحداثة)هو هذا (التشيؤ) للإنسان؛ الذي فرغ محتواه الإنساني وتاه وعيه باندماج بين الواقعالافتراضي والفعلي؛ فتشيئت مفاهيمه بعد إن أصبح هو جزء من (التشيؤ)، وهو ما خلق فيأعماق الإنسان حالة من إحباط والاغتراب الذاتي؛ إزاء كل ما كان في عصر (الحداثة) من الأفكار، لان بفعل ما أنتجته (ما بعدالحداثة) من (التشيؤ) أصبح خيار الإنسان هو البحث عن مشاريع ثقافية تواكب العولمةوالصناعة الرأسمالية (ما بعد الحداثة)؛ وهذه المشاريع الثقافية انطلقت بنقدها للعلومالإنسانية والفكرية والاجتماعية والفنية وفي شتى مجالات الحياة بعد إن جزمت بانظروف الزمن قد تغير وان ما أنجز تجاوز على كل ما سبق من انجازات نتيجة ما شهدهالعالم من تطور وسائل الاتصالات والإعلام وافق الرأسمالية بعد (العولمة) التي غيرت(مجرى التاريخ) بما يتطلب بناء مفاهيم تواكب أنماط المعرفة (ما بعد الحداثة) بمايتيح للإنسان بتوسع نطاق التعددية الفكرية وحرية الاختيار في أيطار إي عمل واتجاهغير تقليدي بظهور وابتكار أنماط جديدة من العمل - أيًّ كان نوعه - ويكون الأداءوالتعبير عنه منطلقا من روح العصر؛ لأن (ثورة المعرفة) بما ابتكرته وحققته وأنجزتهفي مجال المعلومات والاتصالات والإعلام وتطور تكنولوجيا ونظم المعلومات قد ساهم فينقل الفكر من (الحداثة) - التي عززت دور الفردية والعلمانية بل اتجهت إضافة إلىذلك نحو التحضر بكل جوانبه كما أنها اتجهت نحو التصنيع والنظام السلعي والتحول نحوالبيروقراطية والعقلانية والتي في مجملها شكلت النظام العالمي الحديث - إلى (مابعد الحداثة)، حيث توجه العالم إلى حالة معرفية تختلف بكل تفاصيلها عما كان في السابق،فالمرحلة المعاصرة التي نحن (الآن) بصددها في القرن الواحد والعشرين تشهد مجتمعاتناالحديثة والتي يوصف عصرنا بمرحلة (ما بعد الحداثة)، فإن معطيات هذا العصر الذينعيش فيه يتميز بأعلى درجات التقدم التكنولوجي والصناعي التي ساهمت على إعادةإنتاج والمضي قدما بالإنتاج؛ وبفضل هذه التكنولوجيا تم تغير جميع مظاهر الحياةسواء من الناحية التاريخية أو من الناحية (السوسيو- ثقافية) والذي نتج عن استخدامالتكنولوجيا الحديثة المتمثلة في الحاسبات الالكترونية ووسائل الاتصال والإعلام وشبكاتالتواصل وقدرة الانترنيت في تغطية كل قارات العالم التي وسعت دائرة المعرفة، بماأحدثت تغيرات على البنية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية في مختلف دول العالم؛ بماترتب على هذا النمو والتغير حدوث ثورة تنموية هائلة في النظم الاقتصادية يكونتوجهها نحو تطوير آلية التصنيع وتوسع نطاق أسواقها بما يطغي على توجيه الإنسان إلىهذا نمط من الحياة الاقتصادية؛ وبما يودي إلى ظهور ثقافة مجتمعية بصيغة ونوعيةجديدة ومختلفة عما كانت عليه في السابق؛ بما يتيح للفرد فرصة اختيار وجوده بحريةنمط مهنته وحياته الاجتماعية؛ وهو بدوره يودي إلى تفكيك مؤوسسات الجماهيرية وتقليصدور الدولة بما يتيح للمجتمعات المدنية المحلية فرص لاتخاذ القرارات وتحدي بماتقوم علية النخب السياسية من اتخاذ القرارات وفق الديمقراطية البرلمانية التي أخذتتتسع مداراتها في كثير من الدول العالم ليس في الدول الغربية بل نلاحظه بوضوح فيالدول الشرقية، في وقت الذي اخذ على هذا النمط من الحياة السياسية توجه لها الكثيرمن الانتقادات بسبب قصور واضح في مهامها؛ مما أدى في كثير من المواقع رفض هذاالنمط من (الديمقراطية السياسية) وأدى إلى ضعف وعدم توجه الجماهير في المشاركةالسياسية وعدم إقبالهم على الانتخابات بما فاق عن نصف أعداد الشعب في الكثير منبلدان العالم من الذين يحق لهم المشاركة؛ وهذا العزوف يفسر بفشل هذا النمط منالنظم التي ظهرت في الحياة (ما بعد الحداثة)، رغم إن الكثير من المفاهيم (ما بعدالحداثة) شخصت وتناولت شتى جوانب الحياةالسياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية من الفن والعمارة و الفلسفة والأدبوالتكنولوجيا وباقي العلوم والمعارف الإنسانية، إلا أنها أخفقت في الكثير من الجوانبالحياة ولم تعطى حلولا ناجعة لها وتركتها عرضة لـ(الشك) لأنهم يشككون في كل وسائل المعرفة بل إن اتجاههميتوجه إلى عدم إمكانية الوصول إلى المعرفة الحقيقة في المطلق، وفي هذا الوجه همينحون منحى منهج الفيلسوف (نيتشه) في تحرر الإنسان من أي ثوابت و قيم والعقل، لان منهجه في تحلل مبنيي على مبدأ(الشك)، وهذا ما تسير عليه الحياة (ما بعد الحداثة)، رغم إن منعطفات (ما بعد الحداثة)لا تقوم على أسس منهجية أو فلسفة بعينها؛ وإنما تتوجه بتفسيرات محض (التناقض) و(الشك)و(الاختلاف)، بكون المسألة برمتها في (ما بعد الحداثة) هي لا تعدو سوى كونهاتصورات ووجهات نظر مختلفة، وكل ما يدور هنا وهناك هو مجرد وجهة نظر قد تكون (صائبة)أو قد تكون (خاطئة)، وكلا الاحتمالين هو صحيح وليس لأحد الحق بأن يقرر بان هذاالكلام صح و ذاك خطأ، لان نمط الحياة التي نعيشها (ما بعد الحداثة) هي مجرد(عبث) بعدإن انهار (العقل) - كما ذهب بهذا التفسير (نيتشيه) - لان في مجمل ما ذهب إليه يواكبعصر (ما بعد الحداثة)، لان (نيتشيه) كان معاديا لكل ما طرحته (الحداثة) فان كان (نيتشيه)قد اقر (بموت الإله) فان منظري (ما بعد الحداثة) اقروا (بموت الإنسان) كما اقر(ميشيل فوكو) وهو من أشهر مفكري (فرنسا) متأثرا بأفكار (ما بعد الحداثة).

نعم إن (موت الإنسان)أصبح في عصر (ما بعد الحداثة) التي نعيشها (الآن) حقيقة؛ بعد إن سلبت منه الإرادةوالفعل والإبداع؛ ليصبح مفصل من مفاصلآليات المصانع؛ لتكون محصلته الأخيرة شيا من أشياء التي تصنعها هذه المصانع فيتشيؤفي أشيائها، ويعزي مفكري (ما بعد الحداثة) سبب (تشيؤ الإنسان) إلى عصر (الحداثة) بعدإن أعطوا كل جهدهم إلى العلم وتطوره؛ وان بفعل أنشطته العلمية ازدهرت الصناعة بكلفروعها واتجاهاتها وقد اخذ جانب التصنيع العسكري إلى تطوير قدرات هائلة للإنتاج (أسلحةالدمار الشامل) والتي استخدمت بحق الإنسان في (الحرب العالمية الثانية في اليابان)،لتخرج شعوب العالم اجمعها من الحرب متهالكة ومتحطمة ومدمرة؛ وهم على اشد سخطاوازدراء من آلية التي آلت إليه الثورة العلمية كمفتاح نحو التقدم والازدهارالحضاري لينتهي حلم (الحداثة) التي امتدت إلى أكثر من مائة وخمسين عام بكوارث حلتبالبشرية دمار واسع النطاق حصدت أرواح الملاين من البشر، لتقيم المجتمعات المعاصرة - مجتمعات (ما بعدالحداثة) - عبثية ما أفرزته (الحداثة) وفلسفاتها في منظومة (الرأسمالية) و(الديمقراطية)و(الليبرالية) ليتجه الأكاديميين في نقدهم لنظم الليبرالية والفلسفات التي تفاءلتبالنهضة؛ باعتبارها اتجاهات عدمية وفلسفات تشاؤمية ووجودية؛ لأنها لم تجلب للعالمسوى الويلات والحروب والدمار أكثر بكثير مما أنجزته بما يخدم الإنسان ورفاهيتهواعتزازه بإنسانيته؛ وهي من أفرزت هذا البناء ألعدمي والتشاؤمي والوجودي؛ والذيقاد العالم لبناء أفكار متشظية ومتناقضة في عصر (ما بعد الحداثة) - والتي هو (الآن)في طور التشكيل - إذ ليس لمنظريه اتجاه واحد، وكل موضوع يخضع لتفسيرات عدة، وحتىالمدارس التي تنتقد أراء (ما بعد الحداثة) اخذ تأثيرها في بناء أفكارهم؛ بان ليسهناك مفهوم لـ(ما بعد الحداثة) لعدم وجود أي تدقيق وأي تعبير واضح ودقيق المعالمفي معاني واتجاهات (ما بعد الحاثة)، بقدر ما يكتنف مفهومه من غموض، لان أفق الحضارةالتي ينطلق منها مفهوم (ما بعد الحاثة) هو أفق (العولمة)، وهو بالتالي يختلف جذرياعن عصر الصناعة، لان اتجاهه يؤدي إلى ثورة(عبثية) ضد مرتكزات (القيم) و(العقل)، وتتجه إلى (الشك) في تقيم ابسط البديهيات،لان الحقائق عندهم متعددة الجوانب؛ وان الإنسان يختار منها ما يشاء؛ وتصبح عندهبمثابة (حقيقة) حتى وان كانت شاذة كـ(الزواج المثليين)، لان قراءته وفهمه لمعنىهذه المفردة أو تلك؛ يكون وفق تصوراته - أي تصورات الإنسان - وليس وفق تصوراتاللغة لهذه المعنى أو تلك، لتصبح أي معنى لكلمة أو لمفردة ما، هي ما بقدر عددالقراء، وهكذا تتعدد فيها المعاني الفردية، لذلك فان أي نص حتى وان كان مقدسا - ضماطر الديانات - يكون معانية متعدد وفق عدد القراء النص، وهذا ما يشوه النص ويسقطعنه أي قدسية، وبالتالي فان هذا المنطق يأخذ في تقيم قيم (الأخلاق) التي تصبحخاضعة لمبدأ المنفعة واللذة، وهذا تبيان لإفلاس العصر، عصر(ما بعد الحداثة) وتهميشلقدرات الإنسان وتشيؤه إلى أقصى درجات (التشيؤ)، بعد ان تهبط القيم إلى أقصى درجاتالهبوط ويصبح الشذوذ مباحا؛ بعد إن يتم في عصر(ما بعد الحداثة) إسقاط العقلوالميتافيزيقا ومفهوم الإله وأزالت فوارق الجنسية بما يسمح شيوع نمط شاذ من تكوين العائلاتمن زوجين من الرجال، أو زوجين من الإناث، وهذا ما افرزه عصر(ما بعد الحداثة) من تمردعبثي تكون غايته الحصول على اللذة الجنسية الغارقة في الشذوذ، ليتم تشويه مفهوم الأسرةالتقليدية المتكونة من رجل وأنثى وأطفال، وهذا ما ينذر بانهيار قيم الحضارةالسامية المنضبطة بضوابط العقل وسمو الروح.

ومن هنا يمكننا إننقول بان (ما بعد الحداثة) في ضوء هذا التيارالذي يمكن وصفه بأنه تيار عدمي عبثي اللاقيمي، بكونه ينكر الإحكام التعميمية علىنطاق المجتمع ويتجه نحو نبذ وترك مصطلحات (الحقيقة)، باعتبار انه لا يمكن إثبات (الحقيقة)بتغير معانيها حسب ميول واتجاهات الإفراد، وهذا ما يجعل تفسر مضامينها والتمسكبتلابيبها أمر صعب في أي مجال من مجالات الحياة، ومن هنا فأنهم يسقطون التقييمالموضوعي لأي(موضوع) وخاصة في مجال (الأدب) و(الفن) لأن الباحثين في مجالاته - أي مجالات العصر (ما بعد الحداثة) - يركزونعلى (الذاتية) في التقييم, ليصبح فهم (التاريخ) وإحداثه لا قيمة له؛ لان حسب فهمهم إن (التاريخ) ما هو إلا اتجاه عدمييدعون بتعميم (الجزء) على حساب (الكل)؛ وهو بالتالي ليس إلا مجموعة منالكتابات سردية دعائية لا يقدم ولا يؤخر من شيء، وهكذا تكون تصورات (ما بعدالحداثة) تصورات قائمة برفض (الحقيقة) ورفض (التحديد) ولا تعطي أية أهمية إلى (الموضوع)في البناء الفني الإبداعي، وتتجه نحو (اللا معنى) وتقر بـ(اللا جدوى) من (التاريخ)،وتقر بـ(التعددية) و(الاختلاف) و(عدم التجانس) و(التناقض)، وبهذه المنطلقات فان(ما بعد الحداثة) تحاول إعادة رؤيتها بما يتماشى معطيات الواقع الذي نعيشه (الآن) لدرجةالتي تبجل اللحظة المعاشة، والمتجسدة في الحياة الاجتماعية المعتمدة على بنيةالتكنولوجيا ووسائل الاتصالات والإعلام؛ بما يتم بناء الوجود الإنساني بما هوبمستوى وجوده فحسب، مع القبول المستمر لتغيير، لأننا (اليوم) نعيش في عالم تشكل كمانراه؛ ولكن يعاد تشكيله باستمرار وفق معطيات العصر الذي يتحكم علية قوة الثورةالتي أنتجتها وسائل الاتصالات الحديثة والإعلام وشبكات الانترنيت والموبايلوالمواقع الالكترونية؛ التي تزخر بطرح وتداول المعرفة والمعلومات والأفكار والتيتكون في متناول كل شرائح المجتمع وفي كل بلدان العالم؛ والتي هي احد أهم مظاهر (العولمة)؛ والتي قطعت (صلةالمنطقة) التي نعيش فيها بـ(التاريخ)؛ وهذا ما أدى إلى قطع علاقة الفرد بماضيه؛وهذا الانفصال هو الذي خلق لنا عالما فوضويا ..عبثيا.. متناقضا.. متأثرا بقوة هذهالتكنولوجيا التي سيطرت على سلوك الفرد والمجتمع والتي نجمت عنها مخاطر لا تعد ولاتحصى جعلت من الإنسان كائنا بطبائع غريبة.. وشاذة.. ومتشظية.. ومتشتتة.. دون أنيكون له موقف أخلاقي أو اجتماعي أو سياسي، لأنه اقر بـ(نسبية) كل شيء؛ جاعلا منعصر (ما بعد الحداثة)، عصر يقوض نفسه بنفسه بما افرز من معطيات الفوضوية.. والعبثية..والعدمية، وهذه المعطيات هي التي حفزت لظهور دراسات فكرية تخطت بخطوات واسعة مجالظهورها في علم الاقتصاد والاجتماع والتاريخ إلى مجالات فكرية أخرى؛ لتبور مفاهيم (ما بعد الحداثة) في مجال الآدابوالفنون؛ لتشكيل مفاهيم ثقافية وجمالية بإبعاد غير تقليدية التوجه وغير ثابتة،وعبر تحليلاتها بـ(النقد)، موظفة ما افرزه واقع (ما بعد الحداثة) من التناقض..والتعارض.. والجمع بين الأضداد.. ومزج بين المتنافر.. والجمع بين الخامات المختلفةداخل مكونات العمل الفني، وهذا لاستخدام المفرط في لتقنيات الفنية كان تعبيرا لماافرزه الواقع من الغموض.. والتناقض.. والتباس المعنى.. والتنافر.. لتصبح هذهالمتعارضات وجمعها في الشكل دون أن يكون بينها أية علاقة اقتران أو موضوع؛ سمةفنون (ما بعد الحداثة) من اجل إحداث صدمة عند المتلقي ولغرض الإثارة؛ بقدر مايحاول الفنان إيجاد إشكال مبنية على المفارقة من ناحية؛ ومن ناحية أخرى من اجل إزاحةفكرة الانسجام التقليدية التي كانت (الحداثة) تتبناه؛ وكرد فعل على انهيار القيمالثقافية والجمالية اثر ما أوقعته الحرب الكونية الأولى والثانية وما خلفته مندمار شامل للبنى الفوقية والتحية وما خلفته من تحطيم نفسية الإنسان؛ ولكن وعيه بماكان يدور من حوله من عبثية وفوضى ناقضت قيم (الحداثة) التي كانت تمجد لمستقبل مشرقللإنسان عبر قدرة الصناعة في تغير واقع المجتمعات نحو النمو والازدهار، ليرى بينليلة وضحاها كيف تنهار قيم الإنسان بعد إن استغل التطور الصناعي وتكنولوجيا لتدميرما بناه الإنسان، وكان بما كان يدور من حوله من أحداث مدمرة؛ مدعاة سخرية بالنفس، بعد إن أيقن الإنسانباللاجدوى من الحياة.. ومن القيم.. والالتزام، فكان متنفس الإنسان الوحيد لتعبيرعن الحقيقة بالمشهد الذي يراه إعقاب الحرب وما آلت إليه الوقائع هي (السخرية)، نعمالسخرية من هذا الواقع الذي تشييء فيه الإنسان وأصبح إنسان بلا أبعاد، وهذا ما جسدظهور فنون وآداب إبداعية تحاكي هذه السياقات وبنفس الأبعاد التي فقدت الإنسانيةأبعادها في (ما بعد الحداثة) عبر مدارس فنية ابتدأت بـ(التكعيبية) و(التجريدية) ثم(الدادية) وتلتها (السريالية)، والتي انطلقت بإيمانهم بعدم وجود (ثوابت)؛ وان كلشيء هو (نسبي) وبلا أبعاد؛ وان الإنسان هو الذي مهد لنفسه طريق (التشيؤ) ليعيش حياته وهو متشيؤ في عالم السلع، وعلىالفنان إن يتيقن بهذا العالم؛ وعليه إن يسقط كل فواصل وحدود بين السلع والعملالفني لان في عالم (التشيؤ) تصبح السلع عمل فني؛ والعمل الفني يصبح سلعة، وهيبالنتيجة معطيات على هيمنة الأشياء على الإنسان وقيمه، إذ (لا قيم) في عالم (مابعد الحداثة)، وهذا الإحساس عند الفنان هوالذي جعله يشعر بـ(الاغتراب) في ظلال عالم (التشيؤ)، ولذلك فهو يحاول إن يتنفسبإعمال إبداعية بعد إن رفض في قرار نفسه التواصل مع عالم (التشيؤ) الذي تشيئه، فسلطالضوء على عالم (التشيؤ) بتجريد عالي، لان (التجريد) و(التشيؤ) يسقط منهما عنصر الإنسانيوالاجتماعي مبتعدا عن الواقع ولا يشير عمله لغاية بقدر ما يركز على الذاتية؛ يكثففيها تعبيرات القلق والارتباك، وهذا المنحى نجده بأسلوب (التكعيبية) و(التجريدية)و(السريالية) المدارس التي ولدت من رحم (حرب العالمية الأولى)، وما أحدثه عالم (مابعد الحداثة) من صخب وتشويش لتنطلق في تعبيراتها عن هذا الواقع بكل ما كان يواكبهذا الارتباك الذي أفرزته الحرب، حيث التجأت إلى ابتكار بصريات متحركة على لدوامداخل شكل اللوحة على شكل مكعبات.. ودوائر.. ومثلثات.. وأشكال اسطوانة.. و مخروطية.. لتربك صورها واندماجاتها المتدرجةوالمتداخلة (المتلقي)؛ بعد إن استطاعت (التكعيبية) و(التجريدية) و(السريالية) نسفكل أساليب الفنون السابقة؛ فابتكرت أسلوبا جديدا للرسم يواكب ما أحدثته (ما بعدالحداثة) من فوضى والتشظي، بحيث عملت على تغير أحجام ومقاسات ونسب وزوايا ما تريدرسمه من الأشياء بتغير وابتكار أنماط بصرية ثلاثية الأبعاد لتشاهد اللوحة من عدةزوايا حتى تكاد تتشوه ملامحها ولكن من دون إن تفقد قيمتها الجمالية، فضمت أقطابهاعديد من الفنانين المبدعين والأدباء وكان رائدهم الفنان الاسباني (بابلو بيكاسو) والمكسيكي(ديغو ريفيرا) والفنان (كاندنسكي) و (رينه مارغريت) و(سلفادور دالي) وآخرين، وكانت لوحته (جورينكا) التي رسمها (بيكاسوا) خير تعبير عما أوقعته الحرب من دمار فيالعالم، ولم تقتصر أنشطة الفن (التكعيبي) و(التجريدي) على فن الرسم بل شملت فن النحت وهندسة العمارة.

وبعد إن قدمت حركة (التكعيبية) نماذج معبرة عن واقعالعصر(ما بعد الحداثة) ظهرت حركة أخرى لا تقل أهمية بما قدمته الحركة (التكعيبية) منإعمال كـ(التجريدية) و(الدادية) و(السريالية) وهي حركات ظهرت نتيجة ما أفرزته (الحربالعالمية الأولى) من دمار.. وخراب.. وقتل.. حيت تم قتل أكثر من سبعة عشر مليونوجرح أكثر من عشرين مليون إنسان، لينطلق مناصري هذه الحركات الفنية عن سخطهم منحجم العبث والجنون الذي أفرزته الصناعة والتطور التكنولوجي وخاصة في مجال التصنيعالعسكري والتسليح التي أوصل العالم إلى هذا المصير، ليقدم العالم فاتورة هذه الحضارةوالحداثة؛ هذا الكم الهائل من القتلى والجرحى ومن تدمير مدن كاملة مِن أجل لا شيء،نعم من اجل لا شيء....! فعبروا عن رفضهملكل ما أنتجته الحضارة الإنسانية، فأطلقوا على حركتهم في بداية تأسيسها اسم ( فناللا فن) وبعدها اتخذوا أسماء عده محددين مواقفهم الرافضة والمضادة من الحروب والإباداتالجماعية ومن آلة الصناعة التي جعلت الإنسان بلا إبعاد؛ لتشكل بحوثهم وأطروحاتهمفي البحث عن (أزمة المعنى) والتي في مجملها تدور حول محاكاة مدى القبح والبشاعةالذي وصل اليها العالم.

ومن خلال أنشطة هذه الحركات الفنية وعلى يدمجموعة من الفنانين والكتاب الذين ركزوا في بحوثهم وأعمالهم الإبداعية على(اللاوعي) كمصدر لأعمالهم الفنية، وكانت أبحاث وكتابات التي قدمها (أندريه بريتون) الذيقاد الحركة السريالية كمنضر ومؤسس؛ كتب وقدم الكثير من أطروحاتها الفكرية ركز فيهاعلى ما آلت إليه أوضاع المجتمعات ما بعد الحرب من فوضى ودمار وما خلفته من مشاعراليأس والإحباط النفسي في نفسية الإنسان وهي الوقائع التي حملته إلى المقاربة بينالوعي واللاوعي بما أوصل الإنسان إلى الاتجاه الفوضوي العابث؛ وهو لا يعلم إلى أينيمضي بهذا العالم....! أي انه أراد إن يقيم علاقة بين العقل الباطن واللاوعي علىأنهما مصدر رئيس للإلهام والإبداع عند الإنسان الملهم المبدع، وعبر عوالم النفساستطاعت (السريالية) تحطيم الصور البصرية كما فعلت (التكعيبية) و(التجريدية)، فاستخدموا(الرموز) للوصول إلى الحقائق ليكون إنتاجهم أشبه ما يكون بالأحلام والكوابيسمحاولة منهم الهروب من هذا العالم، عالم (ما بعد الحداثة) حيث يعيش الإنسان حالةالضياع؛ بعد إن تاهت عنه معرفة (الواقع) و(الحقيقة)، لذلك اتجهت حركة (السريالية)التي قادها فنانون وأدباء بارزين من أمثال (رينيه ماغريت) و(سلفادور دالي) وآخرين؛الذين فككوا مفاهيم القيم عبر إحساسات ومشاعر استفهامية ساخرة؛ وعبر تفكيك الرؤيةوجمع المتناقضات كما فعل (رينيه ماغريت)، حين جمع الليل مع النهار في لوحة واحدة؛ فقدرسم النهار في ضوء الليل، والليل في ضوء النهار، وهذا الجمع بين المتناقض هو تعبيرعن (قدر صادم)، كما رسم (دالي) الزمن وهو ينصهر و يذوب و بتعبير مناقض وساخر منالوقت والذاكرة ومعبرا عن (اللا معنى) لزمن ولا قيمة على الذاكرة.

وكل هذه الإعمال التي قدمتها هذه الحركات الفنيةوالأدبية لا وبل كل أنشطة الإنسان المعرفية والاجتماعية و السياسية والاقتصاد والصناعةهي في مجملها لا تصور الواقع بأشكال وبمفهوم بصري مألوف، بقدر ما قدمت واقع مضطرب..متناقض.. قلق.. لتكشف ما أفرزته الحياة (ما بعد الحداثة) من تشوهات لكل المفاهيموالقيم؛ و لتكشف سيكولوجية المجتمعات في زواياه حادة مظلمة بعيدة عن الحقيقة .


 

جميع الحقوق محفوظة لموقع المحطة  Copyright   All Rights Reserved - Almahatta.net

الصفحة الرئيسية

من نحن

سجل الزوار

دليل المواقع

اتصل بنا

مدينة القامشلي

صور من القامشلي

رياضة القامشلي

اطفال

نكت

ديانة مسيحية

قصص قصيرة

صور فنانين

هل تعلم؟

سري للغاية!

حوادث غريبة

ذكريات

مذابح

تعليقات الأخبار

تعليقات الزوار

 

عجائب وغرائب

تاريخ

مواضيع اخرى

اغاني MP3

 

 

Home   الصفحة الرئيسية