إقرأ في المحطة

 

ما بعد الحداثة الرأسمالية صنعت مجتمع التشيؤ والبعد الواحد والاغتراب



فواد الكنجي 2019/02/08

إن اختزال الإنسان إلى البعد الواحد هو إنتاج المجتمعات الصناعية الرأسمالية، لان العلم والتقنية وتطورالتكنولوجي لصناعة الحديثة لم تنطلق فيتطورها إلا وهي مشبعة بإيديولوجيات سياسية واجتماعية عملت على استغلال وقمع الإنسان؛لتجعل منه أداة لاحتواء ألنسقي للطبيعة؛ أبعدته عن جوهر حقيقته من الثراء والتنوع الفكري والمعرفي المتعدد الأبعاد، ليتم في البعد الواحد استفراخ محتواه الإنساني وتصحيره .

والإنسان بهذا الوصف هوالإنسان (ما بعد الحداثة) وهو إنتاج المجتمعات الصناعية، مجتمعات عصر (الحداثة)التي تشدقت بالإعلان وتبني الثورة الصناعة والإنتاج والتنمية عبر قيم الإصلاح ومفاهيموأفكار التنوير والتطور؛ والتي تمخض عنها بناء وتبني قيم الديمقراطية والحرية والمواطنةواحترام حقوق الإنسان؛ لتكون في النتيجة المستشفة من خلال ممارسات عملية لنظم التيتبنت هذه المفاهيم وعملت على بناء دساتيرها وفق نظم ومواثيق دولية وبرامج سياسيةتضمن حقوق الإنسان والمواطنة؛ وهي من خلالوقائع تلتمس من مجريات الحياة اليومية في الدول الصناعية؛ بان هذه الأفكار والمفاهيمهي مجرد أفكار فيها نوع من الجمالية لتسويق الإعلامي لبرامجها - ليس إلا - ولاتعكس واقع الحال في سياق تطبيقاتها العملية على ارض الواقع الدولي على صورةالمواطن؛ بكون هذه الدول التي طرحت وتبنت برامجها التنويرية؛ كانوا هم السباقين فيانتهاك مبادئ الديمقراطية وانتهاك حقوق المواطن، والتبويق والتضخيم النظري لقيمالديمقراطية وحقوق الإنسان لم يواكب في تطبيقها العملي على ارض الواقع، لانالمجتمعات الصناعية هي مجتمعات (الإدارة) وهذه الإدارات في كل مواقعها هي (إداراتمغلقة) ليس فيها من (يعارض)، وهي بنتيجة عملها الاحتكاري وفرض هيمنها؛ تمارس نوع من(المراقبة) الصارمة بطابع جديد؛ وهذا الفهم في المجتمعات الصناعية يعمم باتجاه كل أنشطةالحياة السياسية والاقتصادية وحتى العلوم الإنسانية، لدرجة التي تسخر هذه الأنشطةلصالح السلطات السياسية والتي تجبرهم على تقبل ما هو متوافق مع مصالحها العامةوحتى الخاصة؛ وحين يتم فرض هذا (التقبل) معناه لا وجود لأي دور (للمعارضة) بقدر مايقتصر دورها في مناقشة الحلول البديلة المطروحة وفق سياق العام مهما كانت نوع وشكلالمعارضة، وبالتالي فان ما يتم طرحه من قبل هذه (المعارضة) ليس له أية أهمية ولايشكل أي تثير وخطورة في السياق العام طالما الأمر يسير وفق تلبية ما تم إدراجه منقبل السلطات المركزية، لان (الإدارة) التي تتسم بهيكلية من الاختصاصات العلمية والفنية والتقنية، هي إدارات تنتهج ايدولوجيا معينه سلفا، سواء بالاتجاهات السياسيةأو الاجتماعية، لان واقع المجتمعات الصناعية هو واقع يتداخل بين التقنية.. والعلم..والسياسة، وهذا التداخل والأخذ بسياقه في ظلال المجتمع الصناعي يغيب دور المواطنتغيبا كاملا ويحكم عليه لا وبل يحكموا على قدراته العقلية ليحولوا كل ملكاته إلىفعل (أداتي)، حيث تعمل (الصناعة) عبر العلم والتقنية وايدولوجيا السياسية علىتربية الفرد وتطويعهم للإشهار السلع التي تنتجها المصانع لتمارس تسلطها على الواقعالاجتماعي ليتشيئ (الفرد) وفق هذه التربية لإخضاعه لأوامر وقوانين التي يرسمهاالمجتمع الصناعي وتتحكم بها، لتبرهن أسواقهم التجارية وحركة تصريف سلعهم؛ أي بين (الإنتاج)و(الاستهلاك) إلى مدى استثمار مشاريعهم في (تشيؤ الإفراد)، بعد إن يكون (المجتمعالصناعي) قد حقق أهدافه بإيجاد علاقة تربط بين الأشياء والمواضيع بما ينهضوا فيذات (الفرد) من حب التملك والاستهلاك؛ حتى وان كان فائضا عن حاجته؛ ليبقى يتشبثويبحث عما هو جديد من الأشياء المصنوعة. وهكذا تكون (المجتمعات الصناعية) قد حجبت عن(الإفراد) أي مجال لتفكير خارج أيطار السلع، لان جل أوقاته تحاصر بين (العمل لإنتاجسلع) وبين (الحصول على الأموال لشراء هذه السلع)، وهذه الدائرة المغلقة ليومياتههي من (شيئت الفرد)، لان بعده أصبح (باتجاه واحد)، وهذا (الاتجاه) استطاعت الدولالصناعية تحديد مساره بدقة متناهية؛ بعد إن أحكمت قبضتها عليه بكل دقة؛ وتيقنت بان (الفرد) لا يمكن إن ينفلت إلى أياتجاه أخر لتتعدد اتجاهاته، لأنه سيهلك - لا محال - لحجم ما حوصر احتواءه بقيودالبنوك والأموال، وهي بالتالي لا تخشى إن تسوق إعلاميا عن مبادئ حقوق الإنسانوالحريات المدنية واحترام مواطنيها لدرجة التي يلمع صورها في المحافل الدولية بأنهادول تقدس المواطن والإنسان، في وقت الذي لحالة (التشيؤ) الذي طوق الإنسان في الدول الصناعية الرأسمالية المتطورة عبرصناعة (الترفيه) و(العبث) و(الثقافة الاستهلاكية)، وهي أسوء بكثير من حالة الإنسانومكانته في الدول النامية؛ حيث القمع والاضطهاد ومصادرة الحريات. فحينما (يشيؤ الفرد)لدرجة التي يطوق كل تفكيره واهتماماته لتصبحباتجاه واحد هو جمع المال فحسب، فلا محال فإنها تسلب منه قدرات العقل وملكاتالإبداع؛ لان المجتمع لا ينظر.. ولا يقيم (الفرد) إلا بما يملك من الأموال، لدرجةالتي جعلته المجتمعات الصناعية الرأسمالية يبحث ويفكر بطريقة التي يحقق هذا الهدف، وهذا ما جعل (الفرد) يبتعد عن مواهبه وقدراته الإبداعيةفي مجالات الثقافة والفن وحتى القضايا الإنسانية والاجتماعية، لان (الفرد) في هذهالمجتمعات ليس لدية مشاعر وأحاسيس في القرابة.. والجيرة.. والوفاء .. والصدق..والتعاطف.. والرحمة.. والفضيلة اتجاه أهلة وأقاربه وأصدقاءه، لان العمل الدائم مناجل حصول على الأموال والأرباح والتطور التكنولوجي والبحث عن السلع الجديدةلاقتنائها والتي وان كانت زائدة عن حاجاته تجاوزت حدود إقامة علاقات طبيعية بينالإفراد، إضافة إلى الدور السلبي الذي تفعله (تكنولوجيا الاتصالات) عبر شبكةالتواصل الاجتماعي (الانترنيت) و(الموبايل) لدرجة سلبت قدرات التفكير لدى الإفرادلحجم الوقت لذي يستهلك إمامها، وهذه الظواهر اليوم تخطت حدود الدول الصناعيةالرأسمالية إلى الدول النامية والفقيرة، بعد إن حولت (العولمة) بفعل تكنولوجياالاتصالات؛ العالم إلى قرية صغيرة، وهذهالظاهرة التي تشخص لحالة المجتمعات وتحديدا (المجتمعات الصناعية) والتي قدمت صورة (مشرقة)لحالة مواطنيها تحت ظلال نظمها (الرأسمالية) حيث تزخرف أوضاعها بالتطور العلميوالتكنولوجي وبما تدعيه من مواكبة كل ما من شئنه يدعم حقوق الإنسان والحرياتالمدنية، ولكن بطبيعة (الإنتاج) و(الاستهلاك) التي تنظمه دوائر (الرأسمالية)بصبغتها الاستغلالية (تشظي الإنسان) بكل ما تدعيه في مجال الحريات؛ لان حجمالتناقض بين ما يتم تسويقه إعلاميا يناقض مع معطيات العمل الاستغلالي للإنتاج وللاستهلاكولنظام العمل إلى ابعد حدود؛ لتبقى كل أطروحات في مجال الحقوق والحريات مجرد (أوهام)تدور في عقول الفلاسفة والمنظرين والعاملين في حقول السياسة للنظام (الرأسمالي)، لانمعطيات الواقع بخصوص العلاقات الاجتماعية في ظل (المجمعات الصناعية) افرز واقعمتناقضا اشد خطورة من معطيات الواقع في مجال الحريات وحقوق الإنسان إلا وهو تسويق (التربية)في المجتمع على حب الذات.. والمنفعةالشخصية.. والعمل وفق مصالح ذاتية خاصة، ليتم (إعدام) أي معارضة أو أي منطلق ثورييحترم الإنسان كانسان ويعزز قيم المواطنة.. والتربية السليمة.. والتضامن.. والكفاحضد أي شكل من إشكال الاستغلال وبما يخدم ويطور كل إشكال الإبداع في قدرات الإنسان،ليتم وفق هذه الايدولوجيا غلق حدود المجتمع وفق تشظي الموطن بهذه المعطيات السلبيةلتشكل بمجملها نوع جديد من الرقابة يحصر حدود الإفراد في المعامل والمصانع والعملالمستمر لحصول على مزيد من الأموال ليتم نفقها على ما يتم إنتاجه من ابتكارات جديدةوهو يحاول اقتنائها، وان كانت فائضة عن احتياجاته، بعد إن تم (غسل عقله) بوسائل الإعلاناتوبالتقنيات التكنولوجيا الحديثة والاتصالات وإعلامها، وهذه الأساليب هي نوع من أنواع(الرقابة الجديدة) التي ابتكرتها المجتمعات الصناعية (الرأسمالية) بعد إن احتكرتهذه التقنية التكنولوجية المتطورة كل شركات الاتصالات الحديثة المرتبطة بها وعبر شبكاتالانترنيت؛ لتكون خاضعة تحت مراقبة الدولة وبشكل صارم؛ ليتم من جهة معرفة توجهاتكل الإفراد في المجتمع ومن جهة أخرى ليتم توجيه الإنسان باتجاهات محددة؛ وهي التيتحددها وفق إيديولوجيات سياسية واجتماعية؛ لكي تخلق (إنسان ذو البعد الواحد واتجاهواحد)، لتحول الإنسان وفق هذه البرامج إلى كائن مستهلك ليس إلا، كل أنشطته الذهنيةوالفكرية وعلاقاته الاجتماعية تكون محصورة بإرضاء احتياجاته المادية، وبهذا الشكلتسلب من الإنسان حقوقه وحريته بدون إن يشعر الإنسان بذلك، ليتم لنظام (الرأسمالي)سيطرة على مجتمعاتها الصناعية وإنسانها عبر هذه (الرقابة) المبتكرة من خلال تقنياتالتصنيع والإنتاج المتجدد والتكنولوجيا الحديثة، لتكون تقنيات (الرقابة الصناعية) تتمحورضمن نطاقها السياسي والايدولوجي؛ الذي يتم رسمه بدقة في (مجالس الإدارات) للمصانعوالمعامل العملاقة، فيتم فيها (تصنيع اغتراب الإنسان) قبل إن يتم (تصنيع بضائعهاالاستهلاكية)، لتصنع (مجتمع ذو البعدالواحد) بلا قيم.. ولا أخلاق.. ولا هدف.. ولا طموح، ولا إبداع، بعد إن يكون في مستطاعها(تصنيع كل شيء)، فهي لا محال (تصنع المجتمع) الذي تريده، فحينما يضع ويصنع المجتمعفي نظام محدد، هو بحد ذاته يعني إلغاءه - كما يقول الفيلسوف (كيركجارد 1813- 1855 )و(هربرت ماركوز 1898 - 1979) ،لأن أي أداة تتجه إلى تصنيع المجتمع و وضعه في أيطارمحدد المعالم والشكل والاتجاه معناه (تشيؤه)، لان هذه (الصناعة الرأسمالية) حددتملامح إنتاجها بسلب القدرات العقلية.. والاجتماعية.. والسياسية.. والإبداعية.. وقيمالأخلاق.. والإحساس بالجمال، لان (النظام الرأسمالي) يصنع (التشيؤ) وفق قياساتهاوميولها وتحدد ملامحه مسبقا وفق طموحاتها التكنولوجية ووفق سياق إيديولوجيتها،فيكون مجتمعها خاضع لعلاقات (الكم) و(العرض) و(الإنتاج) و (تبادل المنفعة) و(المقايضة)،فتخلق في روح المجتمع الذي (تشيئته) بهذا الشكل روح التشبث وامتلاك السلع، بمايعزز في ذات (الفرد) نشوة الاستهلاك، لتكون (نشوة الاستهلاك) هي القيمة البديلة عنقيم إقامة العلاقات الإنسانية في المجتمع المتمثل بالحب.. والاحترام.. والتضحية..والاعتراف بالأخر.. والفضيلة.. والشرف.. والنزاهة.. والكرامة.. والشهامة..والمساعدة.. والتعاون، لان في المجتمع الذي صنعته (الرأسمالية) ليس لهذه (القيم) أيوجود وأي ملامح، لان (الإنسان المتشيئ) في (المجتمعات الصناعية الرأسمالية) تكون (الأشياءالمصنعة) هي التي تتحكم في تصرفاته وليست (قيم الأخلاق)، لان جوهر ذاته المتشيئة،هي (ذات مستهلكة) وليست (ذات مفكرة) أو (ذات مبدعة)، لان (الإنسان) بهذا الاتجاه (المتشيئ)لا يعرف (هويته) إلا من خلال ما يقتني ويمتلك من البضائع، وهذا الفعل يخلق في ذاتالإنسان رغبة ليست لها أي حدود في الاستهلاك والاقتناء، فـ(الإنسان) الذي تم تصنيع رغباته وطموحاتهوحتى وجوده وحدد ملامحه بما يستهلك ويقتني، هو (الفعل) الذي خلق (اغتراب الإنسان)في (المجتمع الرأسمالي) بعد إن فقد (الوعي)، فقد الوعي (باغتراب ذاته) وأصبح (متشيئا)في النظام الصناعي (الرأسمالي)، بعد إن انغمس (الإنسان الرأسمالي) في اللامبالاة؛مندمجا مع (النظام الصناعي الرأسمالي) القائم في محيطه، و على جميع الأصعدة، لتتضحرؤاه و وجوده بهذا (الاغتراب)، وهذا ما نلاحظه في طبيعة (الإنسان) وعلاقاتهالاجتماعية في ظل (المجتمعات الصناعية الرأسمالية)، بعد إن لم تعد للإنسان أيةوظيفة في هذه المجتمعات سوى تكرار إنتاج اغترابه .

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع المحطة  Copyright   All Rights Reserved - Almahatta.net

الصفحة الرئيسية

من نحن

سجل الزوار

دليل المواقع

اتصل بنا

مدينة القامشلي

صور من القامشلي

رياضة القامشلي

اطفال

نكت

ديانة مسيحية

قصص قصيرة

صور فنانين

هل تعلم؟

سري للغاية!

حوادث غريبة

ذكريات

مذابح

تعليقات الأخبار

تعليقات الزوار

 

عجائب وغرائب

تاريخ

مواضيع اخرى

اغاني MP3

 

 

Home   الصفحة الرئيسية