إقرأ في المحطة

 

لا نهاية للتاريخ



فواد الكنجي 2019/02/24

لما كان (التاريخ) مفهوم لصيرورة الإحداث بدأت منذ لحظة الأولى لبداية الوجود؛ وبدا عقل الإنسان يعي وجوده؛ فان أحداث التاريخ ستستمر باستمرار وجود الحياة ولن يكون للتاريخ نهاية ولنينتهي إلا بنهاية الوجود، ومن الخطأ ربط مصير التاريخ بإحداث إيديولوجيات فكريةوسياسية واقتصادية واجتماعية؛ مهما كانت قوة تأثير هذه التيارات على سير الأحداث؛ فزوالهاأو إخفاقها أو نجاحها لا يؤثر على توقف التاريخ أو نهايته؛ طالما استمرت الإحداث بالوقوع وفق صيرورة الوجود وبقيت الحياة البشرية والوجود البشري متواصلة بهذه الاستمرارية؛والتي لا محال لها أحداثها ووقائعها، إخفاقا أو ارتقاء أو خمودا.

والتاريخ لا يرتبطبالإحداث بقدر ما يأخذ منها ويستنبط منها تحليلات فكرية بدراسة الحدث وتقصي أسبابهالفهم تأثيرات النشاط البشري ومواقفه وتطوره بالاستقصاء والتدقيق والتمحيص في الحدث،وهذا النشاط الفكري الذي يبنيه الإنسان وفق دراسات منهجية هو محور (الفلسفة) والتيمن أبوابها ما يختص بدراسة التاريخ لتكون (فلسفة التاريخ) منهاجا في تحليل الإحداثالتاريخ وأنشطة الإنسان ومواقفه وفق نظريات ومناهج علمية ومعرفية وبحثية شاملة؛ لتفرزدراساته كل ما يستفاد الإنسان في حاضره وليتخذ منها أسس لبناء برامجهالمستقبلية ليتم وفق ذلك تفسير حركةالتاريخ لبناء إنسانية الإنسان بالتفكير والتأمل والبحث ليتم بناء حضارته ويدافععن وجودها خدمة لديمومتها واستمراريتها. وما يجب تأكيده هنا بان وظيفة (الفلسفة)لا يمكن توظيفها في معرفة التاريخ؛ لان استكشاف (التاريخ) لا يتم عبر (الفلسفة)،لأن (التاريخ) حدث وشيء واقعي وحقيقي وحاضره؛ إما إن يكتشفه أو لا يكتشفه، لانالماضي هو شيء ماضي؛ لا يمنك تشخيصه إلا إذا كان شيئا ماديا يكتشف عبر التنقيب عنهكالآثار، ولهذا فان (الفلسفة) التي تبحث في التاريخ هي شديدةالارتباط بـ(التاريخ الإحداث)، ولهذا فان (فلسفة التاريخ) ترتبط بـ(التربية) لماتعطي من دروس وأفكار ذات صلة بالعلوم الاجتماعية ليكون لتاريخ دورا مهما فيالتوعية؛ لأنه يدرس ماضي الإنسان وكل التغيرات والإحداث والقوى المادية التي أثرتعليه والتي أوصلت حاضر البشرية إلى هذا العصر، ومن هذا الفهم فان (التاريخ) ليس مجرد (إحداث)؛ بل انه (معرفة)، ومنها يجباستنباط معلومات بوعي وبمنهج علمي رصين؛ لنتمكن فهم حركة المجتمعات؛ و ليتم من خلالهامواجهة المسار التاريخي لها وعلى كل المستويات؛ لأنها هي التي تزود الإنسان (الفكرالإصلاحي) ليستنبط صيرورته التنموية؛ لتبرز هنا علمية التاريخ لاستمرار ديمومة الإنسانلرقي وتجنب مخاطر (التشيؤء) وللامبالاة والانهيار، بما يمهد له السعي الدؤوب في معالجةعقد وإخفاقات الإصلاح؛ لكي تتمكن المجتمعات تجاوز مطباتها، ليتم للمفكرين الإصلاحييناستنباط أفكارهم لمعالجتها عبر المقارنات وتحليلات الأحداث والمعلومات ذات صلةبالتاريخ مع العلوم الطبيعية؛ ليتم دراستها دراسة تحليلية ونقدية لسن قوانيناجتماعية مستخلصة من وقائع التاريخ لتكون أكثر واقعية لديمومتها وحركتها لإصدارإحكام يمكننا التنبؤ بالمستقبل. لان عبر (فلسفة التاريخ) والتحليلات التي تتمخضعنها هي التي تكشف لنا ملامح المستقبل من خلال وقائع الحاضر والماضي، لأن (فلسفةالتاريخ) ما هي إلا سلسلة من دراسات مرتبطة بين الماضي والحاضر والمستقبل وإجراءمقارنات بين مختلف الحضارات التي ظهرت منذ بدا الحياة على كوكبنا؛ وكيف تعاقبت..وكيف نشأة.. وكيف ازدهرت.. وكيف انهارت.. وفق مسار التاريخ، لان هذا المسار اتجهوفق ظروف معينه وليس عن طريق المصادفة، ولهذا فانه لا يمكن لنا إصدار حكما مسبقاعن انهيار الحضارة أو موتها؛ ما لم نكن قد أحطنا علما ومعرفة وجمعنا الكثير منمفردات الإحداث التاريخ لكي نتمكن من التنبؤ بالمستقبل التاريخ، وهذا المعرفة لاتتم إلا من خلال (علم الفلسفة)، ولهذا فان (الفلسفة) و(التاريخ) يلتقيان في التحليلوالبحث وفي تطور الأنظمة الفكرية للإنسان والمتعلقة بالأنشطة الاجتماعية والثقافيةوالسياسية، لان (فلسفة التاريخ) تتجاوز الخرافات وسرد المعارك والمعاهدات السياسية؛ويحرر الفكر من العبودية ويسعى إلى نشر أفكار حضارية تنويرية تعتمد على (الإدراك)و(العقل) غير محصورة في أزمنه وأمكنه معينه بقدر ما يتسع نطاقها في كل أنحاءالعالم؛ أي متابعة و رصد ومعرفة تجارب و تطور وحركة تاريخ الفكر الإنساني؛ ومن ثمتحقق من مصادرها ليتم وفقها مواجه ما سيأتي والتنبؤ بالمستقبل، لان (فلسفة التاريخ)تتجاوز تاريخ إفراد إلى تاريخ الحضارات، ولهذا فان مفهوم تاريخ في العصر الحديث هوتاريخ الحضارات، وهذا لا يعني بأنها تتجاوز تاريخ الإفراد بل هو في ضمنه وتركيبه، لان روح التاريخ يكمنفي ذلك؛ وعبر البحث والنقد والفحص والتدقيق والتمحيص والمناقشة والارتباطوالمعادلة والمقارنة بين تفسيرات القديمة والحديثة والمعاصرة، لان (الحداثة) فيهامن المفاهيم ومصطلحات مستحدثة قد لا تستوعب وقد تستوعب الظواهر اللغوية والسياسيةوالاجتماعية والاقتصادية، لان يقيننا بان مفردات ومصطلحات (اللغة) في كل عصر وبيئةله طابع خاص بذلك العصر؛ لأن المصطلحات اللغوية في (فلسفة التاريخ) متجددة على الدوام،ولهذا فانه ليس من السهل إن نتحكم في مسار التاريخ للمستقبل ولا نستطيع التنبؤ فيحدوده، ولهذا فان كثير ما تقع (دراسات التاريخ المستقبلية) بهذه المطب؛ على نحو ماوقع به المؤرخ والفيلسوف الأمريكي (فرنسيس فوكوياما)، حين طرح أطروحته في كتابه(نهاية التاريخ والإنسان الأخير) عام 1992، ليعود لاحقا بنفي كل ما طرحة نتيجةالتغيرات التي حصلت في العالم بعد عشرة أعوام من تأليف الكتاب، لان (حركة التاريخ)تأخذ مسارات متحركة على دوام، فان كان تصوره بان (الديمقراطية الليبرالية) هي أقصىنموذج يمكن إن تصله الحضارة البشرية، فان يقينا إن نقول في ثلاثينيات القرن الماضيبان (الاشتراكية الشيوعية) هو أقصى نموذج وصلته الحضارة البشرية آنذاك؛ ولم تصل إلىالمرحلة (الشيوعية)، ولكن نظرا لتغيرات وتطورات الحاصلة في حركة التاريخ انهارت(الشيوعية ألسوفيته)، وعليه فإننا لا محال سنتوقع انهيار (الديمقراطية الليبرالية)في أية لحظة من لحظات الزمن، لان (التاريخ) يخبرنا بانهيار حضارات والكثير منمنظومات اقتصادية واجتماعية وسياسية على مر التاريخ؛ هكذا كانت وهكذا ستكون مادامت الحياة متواصلة في تدفقها وعطائها ولم تتوقف إلا بتوقفها وانعدامها.

و(نهاية التاريخ)هو فهم فلسفي ظهر أيام (هيغل) و(ماركس) كمبد لنهاية التطور للمعرفة الإنسانيةبمبادئها وقيمها الاجتماعية والسياسية، ومن صلب أفكارهما انطلق (فوكوياما) فيأطروحته لنهاية التاريخ، فأضاف على ما ذهب إليه (هيغل) الذي حدد (نهاية التاريخ)بمرحلة التي يصل وعي المجتمعي بـ(الحرية)، باعتبار (الحرية) هي النتيجة النهائيةالتي يتجه مسار التاريخ إلى إنجازها، فان (فوكوياما) قال إن (نهاية التاريخ) تكونحينما يصل المجتمع إلى الحرية الديمقراطية بالفهم أو بمعنى (الديمقراطية الليبرالية).

إما (ماركس) فاعتبر (نهاية التاريخ) تكون بعد إنيتم وصول المجتمع إلى (الشيوعية)، فالنهاية التاريخ وفق أراء هؤلاء تحدد أطرهابنهاية (التطور الاجتماعي للبشرية) وتوقف صيرورتها وفق هذه المحددات، ولما كان فهم (التاريخ) بكونه عملية متواصلة منحركة الإحداث والتطورات المتلاحمة والمستمرة ومن تجارب المجتمعات في كل العصوروالمستمرة مع وجود الحياة البشرية، فهي (لا) نهاية لها؛ بقدر ما يكون فهم(النهاية) محدد بمفردات سياسية واجتماعية واقتصادية محددة تنتهي اثر ظهور فكر حديثمناقض لهذه المفردات أو متجدد لها، لان الإحداث والتحديث لن ولن تتوقف في مسار التاريخوحركته إلا بانعدام الحياة والوجود.

فمسار التاريخ عند(هيغل) مبني على (العقل) لان اعتقاده يتجه بكون (العقل) هو الذي يسيطر على العالم؛ وان مسار التاريخ البشري هو مسار العقل وتطوره،وان (العقل) هو من يحكم على مسار التاريخ، ومن خلال العقل والوعي بقيمة (الحرية) يتجه مسار التاريخ البشري لانجازه، لأنهلا يمكن فهم (التاريخ) إلا من خلال وجود الإنسان؛ ولهذا فان (التاريخ) هو (تاريخالإنسان) - حسب تفسير(هيغل) للتاريخ - وان (جوهر الإنسان) هو (الفكر)، ومن هناتقوم (جدلية هيغل) التي هي قوام فلسفته، حيث (فكرة ونقيضها) وهكذا دواليك، وهيالتي تدفع إلى الحركة والتطور والتقدم، وهذه (الجدلية) هي التي تدفع سير (التاريخ)إلى التغير والتجديد، فكل شي قائم على مبدأ التناقض وصراع الأضداد، والتاريخ هويسير بنمو نحو الحرية، وهذا المسار لا يسير إلا بالتناقض؛ يموت ويولد، و يولد ويموتمجددا مسيرته على الدوام، ووفق هذه (الجدلية)يتجه مسار التاريخ نحو الأفضل وفق شعورنا بالحرية، فحسب نظر (هيغل) فان استقرار وشعور بالاطمئنان وحالة (اللا حرب)هي مراحل لا تعتبر تاريخية، ولهذا فان (هيغل) يعتبر (الحرب) ضرورية ومهمة لديمومةالحياة، فهو يعتبر (الحرب) من الأهمية كونها تلعب دورا كبيرا في مسيرةالتاريخ، فـ(الحرب) هي من تحرك الإنسانولا تجعله خامدا وغير مكترثا، إنها لسير تاريخ دليل على الصحة، وان البشرية إذ عاشت السلام فقدت حياتها، وهنا يقدم (هيغل)مثلا بقوله: ((كل بحيرة ماء لا تهب فوقها رياح تركد وتتعفن)) لان التاريخ مبني علىالإحداث وهي التي تحركه.

وهكذا نلاحظ ما إنتنتهي (حرب) هنا أو هناك حتى تبدأ تتشكل ملامحها لتشتعل بشكل أخر في هذه المنطقة أوتلك، وهكذا دواليك تنشغل الإنسانية في دوامة هذه الحروب التي تبدأ وتنتهي.. لتبدأمن جديد، ليكون خلق العنف وإشعال الصراعات بين الدول إحدى وسائل السياسية وأداتهالتعبير ولتفسير الواقع والعلاقات الاجتماعية بهذه الوسائل التي هي جزء من الغريزةالفطرية في ذات البشرية والتي هي إحدى أهم وسائل المحركة لتاريخ؛ بفعل التناقضالقائم في أفعال الإنسان؛ وهكذا يسير (التاريخ) في دوامة العنف و التدوير.

إما (ماركس) فينظريته (المادية التاريخية) يقول: ((بان التاريخ البشري الحقيقي لم يبدأ بعد حتىيقال انه قد انتهى ))، لان اعتقاد (ماركس) بان بداية (التاريخ) تكون حينما تنتقلقوة التحدي وصناعة (التاريخ) إلى يد (الطبقة العمالية)، بعد إن يتم أخذها من يد (الطبقة الرأسمالية)،لان (العمال) هم من يصنعون التاريخ، وحين تمسك (الطبقة العمالية) كل شؤون الحياةبيدها؛ ويتم القضاء على كل أشكال الاستغلال والفروق بين الطبقات الاجتماعية حينهاتكون (نهاية التاريخ).

ومن هنا نفهم بان (التاريخ)عند (ماركس) هو (تاريخ صراع الطبقات) وهذا الصراع هو الذي يفتح الثورة (البروليتاريا)حيث الكفاح والنضال من اجل قهر الطبيعة وتحويلها بما يخدم (الطبقة العمالية)، وهذاالتاريخ من الصراع والنضال ينتهي حينا تقوم العدالة الاجتماعية؛ وحينما تسودالعدالة؛ تنتهي دور الطبقية في المجتمع، لنفهم بان (التاريخ) عند (ماركس) هو (مايصنعه الإنسان) وهو المسؤول عن تغيير التاريخ، لان حركة (التاريخ) عنده تمر عبرالمراحل من المشاعة البدائية إلى العبودية إلى الإقطاع إلى الرأسمالية ثمالاشتراكية، ولهذا فهو يرى بان تاريخ البشري هو تاريخ واحد ومشترك بين الشعوبوالحضارات وهو تاريخ يمضي نحو التطور الارتقائي للبشرية جمعاء.

ومن خلال فلسفة(هيغل) و(ماركس) بني (فوكوياما) أفكاره في كتاب (نهاية التاريخ والإنسان الأخير)وتحديدا في مقدمته بينما انهي كتابه بتأثير أفكار (نيشه) في (الإنسان سوبر)، وهو الإنسانالذي يبحث عنه (فوكوياما) وهو (الإنسان الليبرالي- إنسان سوبر) لبناء المجتمعات بصبغة(الديمقراطية الليبرالية)، حيث اعتبر (نهاية التاريخ) بمرحلة التي انتهت الحربالباردة بين أقطاب العالم المهيمنة على مقدرات الشعوب والتي وضعت نهاية للفكر الإيديولوجيفي التاريخ البشري الذي أنهى الاضطهاد الطبقي والنظم الشمولية لتكون (الديمقراطيةالليبرالية) مستقبل البشرية حيث الاستقرار وسيادة السوق الحرة، وحسب اعتقاد(فوكوياما) فان بسيادة النظام (الديمقراطي الليبرالي) ستقل كثيرا من احتمال نشوبالحروب بين الدول بعد اعتراف الكل بشرعية الأخر، فهذا المدخل لمفهوم (نهايةالتاريخ)عند (فوكوياما) وعلى كل ما يحويه من حركة بأنه قد وصل إلى نهايته؛ حيث الركودوالخمود وعدم وجود الصراعات والسيطرة على العلم و المعرفة بعد إن أصبحوا بيقينهشاملة وكاملة - على الأقل بوجه نظر النظرية - ومن هنا فان (نهاية التاريخ) وفقتحليلات (فوكوياما)، لن تكون صائبة بأي شكل من الإشكال، لان (التاريخ) لا يمكن انيستنفذ أفقه النظري بدخوله عصر فراغ والانغلاق كل إمكانياته الفكرية والإيديولوجي؛بكونه لم تعد هناك استراتيجيات سياسية وإيديولوجية ونظريات شمولية تكون قادرة علىخلق حركة و تعبئة الجماهير كما يضن (فوكوياما)، ومن هذا المنطلق ينطلق بفكره بأنهامرحة لنهاية (التاريخ)، بعد إن وجد غياب الحوافز التي تحرك الثورات الفكرية فيالفكر البشري؛ بعد إن حققت (الديمقراطية الليبرالية) نجاحها واستطاعت المجتمعاتالبشرية التكيف معها, لان في عصر (نهاية التاريخ) لن يكون بإمكان الإنسان إن (يصنعالتاريخ) حيث سيفقد روح التغيير والتطويرو سيحاول فقط الاحتفاظ على ما هو قائم, وان وجدت بعض المشكلات في المجتمعات تكونمحصورة في أيطار حقوق القوميات والديانات والأنظمة الاستبدادية و مسائل الهوية؛ قدتسبب شيء من الصراع وانعدام الاستقرار؛ ويعد احتمالا حقيقيا ومقلقا داخل الدولالديمقراطية وفيما بينها وقد يتراجع مراحل التطور فيها؛ ولكن تأثيراتها تكونمحدودة بعد إن تثبت (الليبرالية) انتصاراتها وتزيح من على الساحة البشرية الفاشيةوالشيوعية ليمهد لها طريق النجاح وثبات أسسها في المجتمعات؛ بعد إن لم تعد هناكتحديات حقيقية لمنافسة (النظام الليبرالي)، ولهذا يعتبر (فوكوياما) إن التياراتالدينية والقومية ما هي إلا تحديات ثانويةقد يخلقان بعض المشاكل؛ ولكن تأثيراتها ستكون محدودة ولن ترتقي بأي شكل من الإشكالإلى المستوى الشمولية، ورغم إن (الدين الإسلامي) كايدولوجيا نراه نوع ما متماسكافي بعض الجوانب عقيدته فانه اليوم يتحدى النظم (الليبرالية) وخاصة في بعض المناطقمن العالم (الإسلامي) التي لم يستطع النظام السياسي (الليبرالي) اخذ زمام السلطةفيها، ولكن - كما يقول (فوكوياما) - لن يشكل (الإسلام) تهديدا على (الديمقراطية الليبرالية)ولن يستطع منافستها في المدى المنظور، ولكن ربما سينجح في البلدان الإسلامية ذاتها،لان (الدول الإسلامية) بالنمط الذي تسير عليه لن تصل إلى مستوى الحداثة التكنولوجية والاقتصادية أبدا،وهي سمات المجتمعات الناجحة، وكل ما تسعى إليه هذه الدول ستبقى بعيدة عن أفقالتطور والازدهار باستثناء بعض دول (الخليج العربي) التي اتجهت اتجاها (ليبراليا)كـ(الإمارات) و(قطر)، ومن هنا تكون قراءتنا للواقع - كما يقول (فوكوياما) - فإننا لامحال سنرى (الدول الإسلامية) تنجرف في التيار (الديمقراطية الليبرالية) نظرا لتأيدوقبولها من قبل شرائح اجتماعية واسعة في هذه الدول الإسلامية؛ وهذا ما تم ملاحظةخلال الحقبة الماضية؛ لان الإجماع عند أغلبية هذه المجتمعات بان الإصلاحاتوالتشريعات (الديمقراطية الليبرالية) ونجاحها على صعيد الأفكار والمبادئ تتسعوتحقق نتائج ايجابية؛ ولهذا فان المجتمعات تتجه إليها وتأخذ بتطبيقاتها في مجتمعاتهموعلى المدى ليس بالبعيد سوف يؤمنون بهذه المبادئ.

إما التحدي الأخر لـ(الديمقراطيةالليبرالية) - حسب (فوكوياما) - هو النموذج (الصيني)، فهي دولة ليس فيها (بُعدديني) و (غير ليبرالية) و(لا ديمقراطية)، ولكنها نجحت في تحقيق أعلى معدلات النموالاقتصادي باعتمادها على التكنولوجيات سواء بالاستنساخ أو الابتكار التي تحافظ علىالنمو في الحاضر والمستقبل، وهذا ما نلاحظه لتكون (الصين الشعبية) ندا لأقوى اقتصادياتالدول المهيمنة على الصناعة والإنتاج مثل أمريكا والدول الأوربية مجتمعة.

ومن هنا فان(فوكوياما) يشير إلى صعوبة الوصول إلى (الديمقراطية الليبرالية) رغم - وحسب اعتقاده- هو أفضل نظام للحداثة، وهذا ما جعله بعد إصدار مؤلفة (نهاية التاريخ والرجلالأخير) عام 1992 إلى إعادة تفكيره بهذا المفهوم استنادا على ما وصل إليه بعد هذهالمرحلة التاريخية من حقائق أخرى حول السياسة العالمية بعد إن وجد (فوكوياما) بانهناك ثمة مشاكل ظهرت في أطروحته في (نهاية التاريخ) كان الجزء الأكبر منها متعلق -كما يقول - بـ(التآكل السياسي)، بكون إن هناكثمة زعماء ونخب سياسية طوعوا (الديمقراطيات الليبرالية) لمصالحهم؛ مع عدم وجودنظام سياسي يستطيع القضاء عليهم، ولهذا فان الأمر يؤدي إلى ظهور رغبة اجتماعيةوتحديدا بين الطبقات المتوسطة والعاملة؛ بعد إن تدنت مستويات معيشتهم في العقود الأخيرة إلى المطالبة بزعيم أو قائدقوي يستطيع إزاحة الطبقة العليا ومواجهتهم؛ حتى وان كان ذلك تجاوزا على المؤسسات (الديمقراطيةالليبرالية)، وهذا ما أدى إلى ظهور حركة شعوبية تعادي مؤوسسات في دول العالمالديمقراطي، ويذكر (فوكوياما) كل من ( فيكتور أوربان في المجر) و(ياروسلاف كاتشينسكيفي بولندا) و(ماري لوبان في فرنسا)، ومؤيدي حركة (بركسيت في بريطانيا)، و(دونالدترامب في أمريكا).

ومن هنا فان كان (محركالتاريخ) الذي سماه (فوكوياما) بـ(ثيموس) الذي يعني (الكرامة الداخلية) باعتبارههو المحرك للتاريخ البشري؛ وان كان (هيغل) يؤكد بان (محرك التاريخ) يكمن فيمجملها في الكفاح من أجل (الكرامة) وأن (نهاية التاريخ) يكون بانتصار لمبدأالتقدير الشامل والمتساوي، و(فوكوياما) يؤكد بان في المجتمعات (الليبراليةالديمقراطية) تكون (الكرامة) متساوية لكل مواطنيها بما تضمن حرية التعبير والتجمعوالمشاركة السياسية.

ولكن المخرج الفلسفي إذ ما تأملنا بهذا الطرح الذي قدمه (فوكوياما)، فهناك الكثير من الإرهاصات الفكرية وقع فيها؛وهو ما قاده لاحقا بنفي أطروحته لما تم من استحداث الكثير من التغيرات في عالمنامما تناقض مع ما طرحه في كتابه (نهاية التاريخ)، لأنه هو نفس المنحنى الذي ضن(ماركس) بكون (الاشتراكية الشيوعية) هي نهاية التاريخ، وكل ما شهده العالم منتطورات وإصلاحات في (الاتحاد السوفيتي) و(الصين الشعبية) وسعيهم الدؤوب لتحقيق (الاشتراكية)من اجل الوصول إلى مستوى العالي من الرفاهية في المجتمعات البشرية ولكن التجاربالتطبيقية استشفت بنتيجة صادمة بأننا لن نصل إلى (الاشتراكية الشيوعية) الحقيقية؛ولا إلى مجتمعات البشرية الراقية؛ وان كل ما شاهدناه في (الاتحاد السوفيتي) و(الصين)كان أقصى ما يمكننا الوصول إليه، ولم يتمكنوا من الوصول إلى (الشيوعية)، وانعالمنا لحد هذه المرحلة التي نعيشها لم يستطع الوصول إلى (الشيوعية) وتحقيقها علىارض الواقع وبقيت هذه النظرية مجرد أطروحات فكرية لم ترى بعد النور، ولكن يقينابان البشرية بحركة التاريخ لا محال ستسعى إلى تحقيقها؛ رغم إن (الاتحاد السوفيتي)السابق، قطع أشواطا مهمة نحو طريق (الشيوعية) ولكن بفقدان قيادة قوية بعد (ستالين)أخفقت وتراجعت من تكملة مشوار رحلتها نحو (الشيوعية)، لأننا وجدنا بان (التاريخ)بما استجد فيه من أحداث وتغيرات غير متوقعة وسابق إنذار غيرت كثير من معالم التيضن فيها الإنسان بكونها هي الحقيقة التي تتجه إليه البشرية ليفاجئ بظهور أفكار لميحسب لها، تغير سير الإحداث رأسا على العقب وبشكل غير متوقع ليصحوا مجددا على أتونالحروب والصراعات لا أول لها ولا أخر.

ولهذا فان(الديمقراطية الليبرالية) بأي شكل من الإشكال لن تكون نهاية للفكر الإنساني والتطور الأيديولوجي للإنسانية كما ضن (فوكوياما), لكي يمكن لنا القول بأنه مرحلة لـ(نهايةالتاريخ)، لأنه لا يمكن لنا بأي حال من الأحوال الحكم على إن (الديمقراطيةالليبرالية) قد انتصرت ولم يبقى لها معارضين وأعداء وخصوم وإنها ستصمد إلى حتىنهاية الوجود.

إن مثل هكذااعتقاد هو لا يمثل أي جانب من جوانب الحقيقة، لان من يضن إن أشواط التي قطعتها (الشيوعية)قد انهارت في ثمانينات القرن الماضي بعد انهيار (الاتحاد السوفيتي) فهو مخطأ، لانالسؤال هنا يطرح نفسه بالقول:

هل حقا إن (الشيوعية)قد انتهت.....؟

وان العالم الذي كانفي بداية مسيرته الاشتراكية نحو (الشيوعية) وان الدول التي تبنت (الاشتراكية)التيكانت إحدى الأشواط (الشيوعية) انهارت بفعل تكالب قوى الشر والعدوان وبفعل وجود أعداءوخصوم قبل إن يصل العالم إلى (الشيوعية) .....!

ولذا فإننا هنا نتساءلهل حقا وصل الإنسان إلى الشكل النهائي للحكم بنموذج (الديمقراطية الليبرالية)، وهل هذه (الليبرالية) ستنجح وتنتصر على أعدائهاوخصومها وتصمد .....؟

وهل ستبقى بدونأعداء و خصوم إلى نهاية الوجود....؟

وهل ستبقى بمنئيمن التناقضات وصراعات وانتقادات الداخلية والتي لا محال هي التي تهدم النظامالسياسي لـ(الديمقراطية الليبرالية) الذي بنته ......؟

وهل ستبقى (الديمقراطيةالليبرالية) بدون ظهور تيار فكري قابلة للحياة ينافسها إلى نهاية الوجود ...؟

إننا في كل هذاالجدال علينا إن نتيقن بان مسيرة العلم والفكر والمعرفة بصورة عامة لن تتوقف، لان ليس لها أفق ولا حدود، وانحركتها ومسيرتها متواصلة؛ ولن تتوقف معرفة الإنسان في حدود (الديمقراطيةالليبرالية)، لأن جوهر الإنسان ككائن اجتماعي يستمد حقيقته من كونه كائنا نشطا و ذكيايفكر ويخطط و يتحرك في منظومة إنسانية وثقافية وتاريخية التي أسسها بنفسه؛ والتيتشكل نظاما خاصا بوجوده، له قوانينه الخاصة، وفي هذا (النظام) يمارس خياراته؛ سلبا أو إيجابا، ومن هذه الحقيقة يصعب التنبؤبسلوك الإنسان، ولهذا فان تضارب المصالح والميول والاتجاهات وقابلية الفكربالارتقاء والتطور والابتكار نحو أفاق أكثر إبداع وازدهارا وتقبلا بتنوع الأفكار وبمستوىالذكاء والمعرفة فيما وبين تفاوت والتعارض والتوافق وبين بين، وكل هذا ما يجعلالتنبؤ بسلوك الإنسان والتحكم في حركته ومستقبل امرأ مستحيلا، ولما كان يقيننا بان(العلم) و(المعرفة) وقدرات الإنسان في مجالهما هما أساس الوجود للفرد والمجتمع،ولا محال تأثيراتهما ستكون تأثيرات بالغة الأهمية على النظام الاجتماعي والسياسي والاقتصاديفي عالمنا، وان (حركة التاريخ) ستسير وستتواصلدون النهاية لان (لا نهاية للتاريخ) لان (التاريخ) مع العلم والمعرفة على استحداثوتجديد .

والإنسان طالما بقتروحه ينبض فيها الحياة؛ فان أعماقه الإدراكية ستبقى تعيش صراعها مع الأفكاربتواردها المتواصل؛ وستبقى أبوابها مفتوحة وعلى مصراعيها وستهيمن عليه الأفكاربصيرورة وبدوام التجدد والانبعاث؛ فلا تقف جموح تطلعاته المستقبلية بحدود إيديولوجية(ما) باعتبار ما وصلت إليه أفكاره بهذه (الأيديولوجية) هو كل مخاض رحلته معالأفكار؛ لتحدد نهاية لرحلة البحث عن الأفكار وتكون النهاية، (نهاية التاريخ) أو (نهايةالأيديولوجية ما)، لان سعي الإنسان أو البشرية للبحث عن فضاء أوسع مما وصل إليه سيبقىمشروعا متواصلا مهما كان مستوياتها الأفكار التي وصل إليها من حيث رصانتها وإفرازاتها،لان طموح الإنسان نحو التجدد وإيجاد الأفضل لن يتوقف، قد يتجمد لفترة وقد تخمد لمرحلة، ولكن لن تنتهيولن تتوقف رحلة الإنسان نحو الخلق والإبداع والتجديد .


 

جميع الحقوق محفوظة لموقع المحطة  Copyright   All Rights Reserved - Almahatta.net

الصفحة الرئيسية

من نحن

سجل الزوار

دليل المواقع

اتصل بنا

مدينة القامشلي

صور من القامشلي

رياضة القامشلي

اطفال

نكت

ديانة مسيحية

قصص قصيرة

صور فنانين

هل تعلم؟

سري للغاية!

حوادث غريبة

ذكريات

مذابح

تعليقات الأخبار

تعليقات الزوار

 

عجائب وغرائب

تاريخ

مواضيع اخرى

اغاني MP3

 

 

Home   الصفحة الرئيسية