إقرأ في المحطة

 

التحرش الجنسي ضد المرأة وأزمة الأخلاق في المجتمع



فواد الكنجي  2019/03/16

ليس هناك من أهميةكأهمية التوعية المجتمعية وزيادة الوعي لتجاوز أزمة القيم التي تواجها المجتمعاتالمعاصرة في حملتها المناهضة ضد العنف و التحرش الجنسي ضد (المرأة) بعد تراجعالمعاير الأخلاقية وفلسفة الأخلاق التي لها دور كبير في بناء منظومة القيمالمعرفية في كل قضايا المجتمع، والتي هي بالأساس نشأة من رحم المجتمع ذاته، وهيالقيم التي وحدها تكفل حماية (المرأة) من جهة، ومن جهة أخرى تعزز الثقة بنفسهاويكسر حاجز الخوف والصمت الذي يؤثر على نفسيتها سلبا ويهبط معنوياتها، بكونالتحرش أسلوب قذر من أساليب الإرهاب يمارس ضد المرأة .

ففي وقت الذي تعيش مجتمعاتنا بالأساس أزمة جرائم الإرهاب التكفيرية، بالقتلوالاغتصاب والسبي وجرائم العنف ليس ضد المرأة فحسب بل ضد المجتمعات المدنية بصورةعامة بما عكس سلبا على الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وبما تعدى معطياتهذه الأزمات إلى أزمة القيم ليكون مردودة ترسيخ التخلف في المجتمع، لان مشروع لأي نهضةمجتمعية تكمن بنهضة القيم ومبادئ الأخلاق والتمسك بها، وهو تمسك بتقديم العملالجاد لتطور البلدان، لان ازدهار المجتمعات تكمن بتوعية مجتمعية التي هي التوازنوإقامة علاقات متكافئة بين القيم المادية والروحية، ولهذا فان لأي تقدم نسعى إليةلا بد من إيجاد توازن بين التقدم العلمي و التكنولوجي وبين التقدم الأخلاقي والثقافيلكي نضمن امن وأمان المجتمع ونتجنب المشاكل التي تؤثر على مكنوناته ومكوناته، منانتشار الاستبداد والظلم والتميز واستغلال وسلب الحقوق والحريات المدنية، ولهذافان انسياق وراء تعزيز القيم الأخلاقية والإنسانية والوطنية تتطلب منا تجسيد العملبالإخلاص والوفاء والمحبة وبما أحب لنفسي أحبه للأخر دون الأنانية وحب الذات واستغلالالنفوذ ونبذ والكراهية والبغض والحقد من اجل ترسيخ قيم مجمعية عالية البناء ومتوازنة،وهذا ما يتطلب إلى إعطاء أهمية للمؤسسات التربوية والى التحصيل العلمي وبناء روابطأسرية تجاهد بتربة أطفالها بالقيم الأخلاقية والوطنية السليمة لكي يتسلح المجتمعتسليحا متوازنا نردم بؤر الفساد والانحلال الاجتماعي والسياسي والاقتصادي التيسادت في مجتمعاتنا مؤخرا بفعل تراجع قيم الأخلاق في المؤسسات الاجتماعية وبما اثرسلبا في نفسية الفرد، وكل هذا الظروف والأوضاع الشاذة مهدت لتفشي ظاهرة الإرهاب وما أفرزته من قيم دمرتمجتمعاتنا المدنية بايدولوجيا تكفيرية متطرفة ومتخلفة أرادت إن ترجع الحضارة إلىعصور الجهل والتخلف، فخلفت وراءها شرخاخطيرا في المجتمع وعلى مستقبل الأجيال القادمة، وهذه الأسباب بمجملها، بقدر ماأوقعت صدمة في القيم المجتمعية، بقدر ذلك أوقعت صدمة في واقع المرأة، وقد وقع أثرهاالأكبر على المرأة الشرقية في مجتمعاتنا وبشكل ملحوظ أكثر من المجتمعات الغربية، فتدنيمستوى التربية والتعليم وتفشي الأمية بين إفراد المجتمع ووقوعها تحت مؤثرات خاطئةلمعتقدات التكفيريين والتي كانت بمثابة بيئة خصبة ساعد على انتشارها فيها،وبالتالي فرضت العنف الجسدي على (المرأة) بعد إن استفحل قوة (الرجل) عليها بغياب قوانينالدولة الرادعة ضد تعنيف (المرأة) وأصبح مهيمن على حياتها بالمطلق بما ترتب إيقاع تأثيربالغ في نفسية المرأة بما جعلها شخصية مهزوزة ومرتبكة ومستسلمة لحجم العنف الجسديالذي مورس عليها وبالتالي وقع هذا التأثير على سلوك الأطفال بما خلق في نفسيتهم شخصيةمعادية للمجتمع، والى جانب ذلك فان تدني مستويات المعيشة وتفشي الفقر والبطالة والأميةكل ذلك شكل ضغوطات نفسية لمعيلي الأسر، ونظرا لانتشار هذه الشرائح في المجتمع فإنهاتحمل الكثير من إمراض المجتمع ولهذا جاءت ظاهرة (التحرش) كإحدى مخلفات هذا الوباء الذيللأسف تفشى في مجتمعاتنا لتصبح قضية التحرش قضية مجتمعية، صحيح أنها لم تقتصر بوجودهافحسب في مجتمعاتنا العربية بل في كل المجتمعات الشرقية والغربية ولأسباب ذاتهااجتماعية ونفسية واقتصادية وسياسية، ولكن في مجتمعاتنا أخذت منحى أكثر خطورة منالمجتمعات الغربية بسبب إن القوانين الغرب تحمي حقوق المرأة بشكل كامل، وان الوعيلدى المرأة الغربية أكثر، وقدرتها على المواجهة واللجوء إلى المحاكم وجراءتها فيالتحدي والمواجه تفوق على مستويات المرأة الشرقية لعدت اعتبارات منها خوفها منالفضيحة لان الوعي المجتمعي الشرقي ما زال دون مستوى المطلوب، وان نظرة المجتمعبصورة عامة ما زالت دونية باتجاه (المرأة)، وان مجتمعاتنا الشرقية ما زالت مجتمعاتذكورية تتحكم بإرادة المرأة بشكل مطلق ولهذا فان المرأة حين تتعرض للتحرش لا تلجئ إلىالمحاكم والى السلطات القضائية أو إلى أسرتها بقدر ما تفضل (الكتمان) و(السكوت) و(عدمالبوح) وكان الواقعة لم تحدث، لعدة اعتبارات منها عدم قدرتها وإمكانيتها إثبات ذلكلعدم وجود أدلة التي تدين المتحرش وخاصة إذا تعلق الأمر بكون المتحرش مدير العملومن مسؤولين الكبار من ذي نفوس ضعيفة يستغل سلطة وظيفته لممارسة ضغوط لإجبارالموظفة أو العاملة لاستجابة لرغباته الجنسية، وفي حالة اعتراضها سيهددها بالنقل أوالطرد، وهذا الأمر يترتب لطرف المتحرش حينما لا يجد ردعا قويا يوقفه عند حدودهويأخذ عقابه فانه يمضي قدما بممارسة هذه التصرفات الأخلاقية في التحرش وبالتماديعلى هذه المرأة وتلك الفتاة، بكونه قد (امن العقاب) فانه لا محال سيسيء الأدب،وهنا فان ثقافة الصمت والكتمان والسكوت هي من مسببات تنامي هذه الظاهرة اللاخلاقيةفي المجتمع، وان المجتمع ذاته يساهم بهذا الشكل وذلك بتفشي هذه الظاهرة السلبية فيالمجتمع حينما يحاول الكل (المرأة) و(المجتمع) تجاهل هذا الفعل وإسدال الستارعليها تجنبا لإلحاق الأذى بعائلة (المرأة) خوفا من العار واللوم بما ليس لها يدفيه، لان شكواها في ظروف مجتمعاتنا الشرقية الحالية تضع المسؤولية على (المرأة) وتبرئساحة (الرجل) بادعاء بان المرأة هي من تغري الرجل وتمنحنه فرصة لتحرش بها، و مازالت مجتمعاتنا تتعامل على أن (المرأة) هي المسؤولة، لذا فإنها لن تجد من شكواها إلامزيدا من اللوم والعتاب، لذلك فهي تفضل تكتيم أمرها لتستر نفسها خوفا من اتهامها الآخرينبما هو أسوء من قضية التحرش، وما لم تحصل توعية عامة وشامله في كل مؤسسات الدولةالاجتماعية والثقافية والسياسة فلن يكون هناك رادع لمثل هكذا تصرفات .

لذلك نجد رويدا.. رويدا تنتشر ظاهرة التحرش لتتفشى كوباء كوليرا فيمجتمعاتنا، في الشارع وفي المستشفيات وفي الأسواق وفي الحدائق والمتنزهات ومحلاتالتجارية ووسائل النقل العامة والخصوصية والقطارات وأماكن الزيارات المقدسة وفيالمدارس والكليات، ناهيك عن الذكر في دوائر الدولة الحكومية والأهلية، فتكون ظاهرةالتحرش في كثير من هذه المواقع عن طريق إسماعالمرأة ألفاظ وقد تكون جميله عابره وقد تكون بألفاظ بذيئة أو يكون عن طريق إزعاجبرفع أصوات المذياع والغناء أو عن طريق بوق السيارة أو بشكل ضرب كتف الرجل على كتف المرأة إثناء السيرفي الطرقات والأسواق والتدافع من اجل لمس جسد المرأة عنوة.. وإلى أخره.

ومما يجب ذكره هنا في مشكلة(التحرش) بان قضية (التحرش)، والتي ( تحصر بين قوسين) بكونها على الدوام تحصل منلدن الرجل اتجاه المرأة، ولكن هناك حالات يجب ذكرها بان المرأة أيضا في كثير منالمواقع هي من تتحرش بالرجل، وهناك أيضاتحرش رجل بالرجل.

ومن هنا فان (التحرش) هو في مجمله مرض نفسي وكبد جنسي يعاني منه المتحرشبشكل لا إرادي، وليس له علاقة بالمؤثرات المظهريةلشكل وملبس (المرأة)، بقدر ما تكون لدى المتحرش دوافع مرضية جنسية شاذة، لأنه- فيالمطلق- لا يمكن تبرير تحرش الرجل بالرجل، ولا تحرش المرأة بالرجل، إلا من خلال هذا الأمر، وليس له أية علاقة بقيمالمجتمع وتقاليده، وليس التحرش أيضا له علاقة بمظهر المرأة ونوع ملابسها، أكانتمثيرة أم عادية، لأننا نلاحظ بان (المرأة) المحجبة أو المرتدية للبرقع والمحتشمةيتعرضن للحرشه، والتحرش أيضا ليس له علاقة بسبب انتشار الأمية، لان التحرش يتفشىبين طلبة الجامعات وبين أساتذة الجامعات والأطباء ومهندسين وإلى أخره، والتحرشأيضا ليس له علاقة بسبب تأخر في سن الزواج، فنسبة المتحرشين من الرجال المتزوجين تفوق نسبة الشباب الغير المتزوج، لانأزمة التحرش في المجتمع وتفشيها لا يمكن إن نرجعها إلى أسباب ثانوية بل علينا إننركز على جوهر قضية (التحرش) التي تتعلق بـ(التربية) أولا وأخيرا، من التربيةالأسرية والتربية المدرسية في مراحلها الأولى، لان طريقة تربية الطفل تؤثر تأثيراكبير في سلوك هذا الطفل وتنشئته تنشئة سليمة، لان الطفل كما يقول (علم النفس) يولدوعقله صفحة بيضاء والآباء هم الذين يبدءون بكتابة عليها من خلال تعليم الطفل الأسسالصحيحة في التربية السليمة وتلقي المعرفة وما هو خير وما هو شر وما هو صحيح وماهو خطا، لينشئ وفق هذه الإرادة ليكون تعليمة خير رادعا لتصرفاته إن اخطأ، قبل إنتردعه قوانين المجتمع، والأب وإلام الحريصين على تحصين أطفالهم كي لا ينزلقوا في ألأخطاء،وبما لا يحمد عقابه، عليهم تحذير أولادهم عن أي انحراف بما في ذلك ما يتعلق بقضاياالتحرش.

ومن هنا تأتي أهمية دور الأسرة فيتوعية أبنائها، ثم يأتي دور المنظمات الحقوقية لطفل وللمرأة والإنسان، بل يجب إنتشمل التوعية (الأسرة) ذاتها من الأب وإلام وتحميلهم كل المسؤولية حين يخطئون فيتربية أولادهم، وهنا - ونحن على اليقين - بان هناك - لا محال - ظروف اجتماعيةقاهرة في البيئة الاجتماعية ومحيطها ستؤثر بهذا الشكل أو ذاك على الأطفال والأولادوتحبط معنويات الشباب، ولكن المتحصن بقيم التربية الأسرية تحصينا متينا وقويا لايخطأ بالمطلق، ولكن إذ كانت أسس التربية منذ البدء مرتبكة وغير مستقرة لظروف أسريةخاصة، فان الشاب ينحرف إذ أحبطت ظروف المعيشية عنده و وفق عوامل وتقلبات ولظروفالسياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومما تتفاقم أوضاع الشباب وهم في سن المراهقة عندمايقعوا تحت تأثير وإثارة الوسائل التواصل الاجتماعي و وسائل الإعلام في الانترنيتوالموبايل وعدم قدرتهم على توظيف رغباتهم الجنسية توظيفا صحيحا، فنراهم ينجرفونبقيامهم ببعض تصرفات لتفريغ أنشطتهم الجنسية والجسدية بأي وسيلة تتاح لهم حتى وانكانت بأساليب منافية لأخلاق المجتمع. وهكذا يقع جيل بأغلبيته تحت تأثير صورة مشوهةعن (الجنس) وعن (المرأة) من خلال مفاهيممغلوطة والتي هي سبب مباشر تؤدي إلى تفشي و استسهال التحرش الجنسي، لان عمق هذهالمشكلة تعود إلى مشكلة تربوية وسيكولوجية والى وجود حالة من الخلل بين علاقةالرجل بالمرأة، لان مجتمعاتنا الشرقية ما زالت أغلبية الأسر تتجنب تثقيف أطفالهمبالتربية الجنسية أو الحديث عن هذا الجانب، بل إن مؤسسات التربية هي آخرة تفتقر مناهجها التربوية إلى مادة (التربيةالجنسية)، وكحاصل تحصيل فان كل ما يحصل عليه أبنائهم وبناتهم عن (الثقافة الجنسية)يأتي من خلال أساليب غير صحية، إما من الإنترنيت أو من خلال الأصدقاء أو من مشاهدةالأفلام الإباحية، وهي التي لا محال تترك آثارهاالسلبية النفسية الحادة على متلقيها لعدم إيصال رسالتها التربوية بشكل سليم لمفهومالعلاقة الجنسية، لان جل هذه الأفلام تتحرك على الإثارة الشكلية للجنس ولا تتحرى على المضمون الايجابي لهلتوعية متلقيها بالمفهوم الجنس .

ومن هنا فان التأثير السلبي لظاهرة (التحرش) في المجتمع لا يمكنه ردعهبالقوانين إلا بالتربية، لان (القانون) بحد ذاته، ليس هو الحل الأمثل، وليسبتشريعاته - فحسب - للحد من ظاهرة التحرش، نعم قد يكون (العقاب) وفق تشريعاتالقوانين يشكل ردعا، ولكن لم ولن يكون القانون حلا امثلا لردع حالات التحرش، نعمإن القانون قد يجعل المتحرش يفكر إلف مرة ومرة قبل الإقدام على فعله، ولكن دناءةالنفس تبقى في ذات المتحرش وسيفكر به وسيستغل أي فرصة لارتكاب هذا الفعل، نعم إن القوانينوضعت للمحاسبة والرد المخالفين والحد من سلوكيات المنحرفة في المجتمع، ولكن مع ذلك نجد رغم صرامة القوانين بحق مرتكبيجرائم القتل والسرقات ومخالفات المرور، هناك جرائم تحدث في المجتمع واختراقاتمرورية وارتفاع نسبة الضحايا بسب عدم التقيد بالقوانين والأنظمة المرور وجرائمالقتل المتعمد و السرقات رغم إن قوانين ضد هذه المخالفات هي قوانين صارمة ولكن معذلك تحدث اختراقات هنا وهناك، لذلك علينا إن نتيقن بان مهما وضعنا قوانين للحد منتفشي ظاهرة (التحرش) في المجتمع، دون التركيز على التربية الأسرية وتوعية الأسرةوتغير مناهج التعليم الأساسية وعن طريق التوعية وحملات التثقيف ألعامه، وبمشاركةتربوية وثقافية وإعلامية واسعة بما تحفظ مقومات أخلاق المجتمع السليم، فإننا لننتوقع إن تزول هذه الظاهرة بين ليلة وضحاها طالما ستفضل (المرأة) في مجتمعاتناالشرقية الصمت والكتمان والسكوت والمعاناتلحفظ سمعتها وكرامتها وخوفا من الفضيحة ولا تلجئ إلى المحاكم، ومن هنا علينا إذانفكر كيف نشخص المشكلة ونبدأ بالمعالجة من جوهرها .


 

جميع الحقوق محفوظة لموقع المحطة  Copyright   All Rights Reserved - Almahatta.net

الصفحة الرئيسية

من نحن

سجل الزوار

دليل المواقع

اتصل بنا

مدينة القامشلي

صور من القامشلي

رياضة القامشلي

اطفال

نكت

ديانة مسيحية

قصص قصيرة

صور فنانين

هل تعلم؟

سري للغاية!

حوادث غريبة

ذكريات

مذابح

تعليقات الأخبار

تعليقات الزوار

 

عجائب وغرائب

تاريخ

مواضيع اخرى

اغاني MP3

 

 

Home   الصفحة الرئيسية