إقرأ في المحطة

 

بريخت عمل على تعميق الوعي الإنساني في مسرحياته



فواد الكنجي 2019/06/05

عرف عن (برتوليت بريخت1898 - 1956 م) بكونه مسرحيا وشاعرا ألمانيا ملتزما ذو توجهات يسارية؛ عبر من خلال كتاباته إيمانه بالتوجهات (الماركسية - اللينينية)، والالتزام عنده كمبدع في كتابةالأعمال المسرحية و الشعر ليس باتجاه الذي يفهم بكونه التزاما بأوامر السلطة الأعلى مهما كانت شكلها حزبية أو دينية أو اجتماعية؛ وذلك لان - أي التزام - يأخذ صفة(السلطة) فهو يرفضها رفضا قاطعا، بقدر ما يكون الالتزام عنده متمثلا بقيم الحريةوالعدالة الاجتماعية والديمقراطية وبكل ما يوازي المعرفة والعقل والفكر وحريةالفنان وحرية الأخر وبحدود التي لا تقيد حرية الفرد إلا بحدود حرية الأخر في إبداءرأيه دون قمع وتروع وردع .

هذا هو مفهوم الالتزام عند (بريخت)، التزام لايكون مغلقا في حدود الانتماء البيروقراطية الحزبية أو بيد الساسة المحترفينوالزعماء المستبدين، ولأنه كان صادقا مع نفسه ومع الآخرين؛ الأمر الذي جعله يتجاوزأي تقيد وهو يدرك بهذا ولكن لا يستطيع تقيد حدود مبادئه وأفكاره ليتجاوز على القيمالإنسانية لأنه ملتزم بقيمها كل الالتزام؛ وهو يعي لوعة انطلاقه عبر تأملات فكريةلا حدود لها في سياق رؤية من الانسجام والتفاعل المعقد بين أفكاره والقيم (الشيوعية)وحرية تقديراته الذاتية ونقده الموضوعي لأي فكر وأطروحة فلسفية، لان يقينه بان لاتفاحة بدون دودة، وكل نظام وحزب وفكر لا يغيب عنه ما ينغص متعة قضم التفاحة بعيونمغمضة - كما يقول (بريخت) - لان ليس هناك من حقيقة مطلقة وكمال مطلق، ومن غير ممكنإن يكون الإنسان مبصرا ولا يتجنب ما يخدشه وهو يعي ذلك، ولذا فان (بريخت) يعيحقيقة التزامه رافضا إن يكون التزاما مغلقا يدار بيد بعض البيروقراطيين من المتحزبين(الشيوعيين) أو بما يسموا بـ(البرجوازيين الوضعيين) ممن خانوا الخط (الستاليني)، سواءمن كان منهم في (بون) أو في (موسكو) آنذاك، لان (بريخت) كمبدع كان دوما يجد نفسهبكونه ابن المجتمع؛ فكان يجد في نفسه صعوبة فصل ضميره عن واقعه، وكان يؤمن بالتغيراتالمهمة التي أحدثتها (الماركسية - اللينينية) والاتجاه العلمي الذي سارت عليةالدولة (الشيوعية) في (الاتحاد السوفيتي) لبناء اقتصادها، ليجد دور الالتزاموالتنظيم والعمل الجماعي يحقق اكبر قدر من الانجازات؛ لأنه أدرك بان معاناةالمجتمع ليست بفعل عوامل خارج حدود السيطرة بل يمكن السيطرة عليها وتغيرها، لانفهم (التاريخ) عند (الماركسيين اللينينين) هو فكر جماعي نضالي مستمر؛ وان حريةالتفكير والنقد هي جوهر وأساس المنهج العلمي (الماركسي)، ليشكل عند (بريخت) قناعةبهذا الفهم تنقذ أزمته النفسية التي كان قد جنح إليها في مستهل كتاباته المسرحيةالأولى بالعبثية، بعد أن كانت نظرته باتجاه العالم بان كل شيء يسير بالاتجاه العبث..والعدم.. والفوضى.. وبعدم وجود أي نظام يحكم هذا العالم العبثي، ليجد بان (الماركسية- اللينينية) وحدها هي من استطاعت إن تضع نظاما علميا وفلسفيا تفسر كل هذهالتناقضات والأزمات التي تمر بها مجتمعاتنا، لدرجة التي أمكنتها تحويل (الاتحادالسوفيتي) من دولة محراثيه إلى دولة نووية بامتياز، بل وأمكنتها تحويل كل ما هوسلبي إلى ايجابي وبفترة وجيزة عبر التغيير الجذري والتحرر الذي شهدها (الاتحادالسوفيتي) .

لقد تبلور هذا الفهمعند (بريخت) وأصبحت عنده قناعة بان الصراع الطبقي الذي كان قائما في ظل (الرأسمالية)ما هو إلا صراع اثر تأثيرا كبيرا وسلبيا على الإفراد و بين العلاقات الاجتماعيةالاقتصادية، وهذا ما أراد (بريخت) إن يثور عليه في إعماله المسرحية؛ ليواجهالجماهير بان مثل هكذا أوضاع لا يمكن عليها، السكوت؛ ولابد إن يضع لها حد؛ لانمعاناة الإنسان لا بد إن يكون لها نهاية، ومن خلال هذه الرؤية أراد (بريخت) تسييسالمسرح عبر تقديم أعمال مسرحية هادفة تستطيع ربط الواقع المعاش بالفن من اجل تغييره،ولما كان المبدع هو ابن المجتمع فانه يكون شديد الارتباط بمجتمعه لأنه يعيش واقعهميتأثر بكل ما يصيبهم، ومن هنا فان ما حصل على واقع المجتمعات الأوربية من تغيرات مهمةوثورات وحروب وصراعات طبقية؛ التي كان لها تأثير بالغ الأهمية على أصعدة العلاقاتالاجتماعية الاقتصادية؛ فلا محال فان الأدب كان لا بد منه أن يتأثر بهذه الإحداث؛ وهوما أدى إلى خلق وابتكار أساليب من الأدب الجديد ذات صلة وارتباط بهذا الواقع الذيتسير فيه الإحداث بشكل متغير وسريع، ولهذاحاول المبدعون مواكبة ما يجري على ارض الواقع محاولة منهم لفهمه والتعبير عما يحدثمن اجل التغيير، وهذا ما أدى إلى ابتكار أساليب جديدة من الأدب والفن عبر مدارس فنيةالتي أخذت تظهر وتنشأ بفعل التغيرات الحاصلة على ارض الواقع؛ فتضع مناهج جديدةلتواكب الحداثة والتطور بما تعبر عن واقع المحن التي تعيشها المجتمعات؛ ليكونالتعبير عنها شديد التماس مع معاناة الإنسان، وهو ما أدى بالمبدعين إلى مراجعةالذات وفحص منظومة الحياة لكي يوازوا الحدث ولكي يعبروا عنه بعيدا عن الصيغ التقليديةالمصطنعة والمزيفة السابقة، لان نظرتهم إلى الحياة وفق هذا المنظومة الاجتماعيةيتطلب من الأدب والفن المشاركة.. والإفصاح.. والاقتسام.. والتعايش.. وتغييرالمألوف.. وتعترف بالتعددية والاختلاف.. وترفض الأفكار الجاهزة اللامعقولة؛ بقدرما تتجه إلى مواجهة المتلقي عبر واقعه.. وأحلامه.. وكوابيسه.. وأمنياته..وطموحاته، ليكون المتلقي جزء من العمل الأدبي والفني يشارك ويتفاعل مع إحداثه، لانهذه المشاركة هي التي تولد عملية التغيير التي يسعى الأدب والفن طرحه في الأعمال الإبداعية،لان (المبدع) لديه شعور وموقف وباعث لخلق العمل الأدبي أو الفني بما يمتلك من أحاسيسومشاعر قد لا يشعر بها الإنسان العادي؛ ولكن حين تواجهه لا محال ستثير في أعماقهباعثا يحفزه لتغيير بما أثار في أعماقه من قلق وتساؤلات، لتكون المشاركة بين الطرفين معرضة لنقد وفق هذاالمنظور؛ أي بين المتلقي والمرسل، الذي يسهم في تطوير الإبداع جماليا، وهذا النقدقبل أن يكون متوجها من المتلقي فان المرسل - الذي هو المبدع - يلجئ إليه أثناء تأليفالعمل؛ وهو ما ينشا ويفرز عنده الكثير من التعديلات من حيث الحذف.. والابتكار..والإضافة، بغية ارتقاء بالصورة والمشهد إلى نقطة التعبير بأسلوب الأكثر تأثيرا وإيقاعافي النفس من تسامي، فمارس (بريخت) هذا (النقد) باتجاه القضايا الثقافيةوالاجتماعية والسياسية .

فعلى صعيد أعمالهالمسرحية فان جل أعماله المسرحية والتي يربو عددها بنحو ( خمسة وأربعين نصا مسرحيا)،وما زالت مسرحياته حاضرة على خشبة مسارح العالم حيث يعتبرونه نقاد المسرح من أفضلكتاب ومخرجي للمسرح المعاصر بعد شكسبير(1564 - 1616) و مولير (1622-1673) و جوته (1749 - 1832) وشيلر (1759 - 1805) و جورج برنادشو(1856-1950)، ونذكر منها (دائرة الطباشيرالقوقازية) و(الأم شجاعة) و(حياة غاليليو) و(الخوف في الرايخ الثالث) و(المعيار)و(القرار) و(كومونه باريس) و(محاكمة لوكولوس) و(السيد بونتيللا) و(الإنسان الطيب) و(إدوارد الثاني ملك إنجلترا) و(أوبراالثلاثة قروش) و(الاستثناء والقاعدة) و(جان دارك) و(القائل نعم والقائل لا) و(يوحناالمقدسة على المذابح) و(رجل برجل أو الرجل هو الرجل أو الإنسان هو الإنسان) و(الرؤوسالمستديرة والرؤوس المدببة) و( طبول في الليل، التي أعاد كتابتها بعد إنكانت تحمل عنوان سبارتاكوس) و(في أحراش المدن) ومسرحية (الإنجيل) و(بال أو بعل1918) والى أخره .

فاغلب أعماله المسرحية ما هي إلا توجهات نقدية لماالتمسه من معطيات الواقع وهو الأمر الذي قاده إلى تجديد المسرح بعد إن رفض أساليبالمسرح القديمة بكل ما هو عليه إلى ما يمكن أن يكون عليه المسرح؛ فأسس (المسرحالنقدي الملحمي)، حيث عمل (بريخت) في المسرح النقدي في رسم شخصيات العمل وربطهابالواقع (المادي) ومن ثم يجعل الجمهور ينقد ما يشاهده بشكل ايجابي وهو أسلوبابتكره (بريخت) لكي لا يجعل من المتلقي فحسب متلقي سلبي على ما يعرض على خشبةالمسرح بل يشارك بفكره وبنقده في الأحداث التي تمثلها الشخصيات لكي يشارك في عمليةالتغير الأوضاع القائمة .

ولهذا عمل (بريخت)على نقد مظاهر الحياة لطبقات البرجوازية..والأغنياء.. والنفاق.. والفساد.. والانحطاط الذي كان سائدا بين هذه الطبقات والتيكانت تمارسها وتعيشها في المجتمع، وقد إلف في هذا الاتجاه النقدي على النظامالاجتماعي والمجتمع الرأسمالي الذي كان قائم آنذاك مسرحيات عدة نذكر منها مسرحية(طبول في الليل) و(في أحراش المدن)، وكما ونقد وبقسوة بالغة ما عكسته مظاهرالصناعة الحديثة وعصر الآلة على الإنسان، كما انه نقد (النظام الديني)عبر مسرحياتهادفة نلتمس منها في نص مسرحية كتبها عن عالم الفيزياء (غاليليوا) - و( غاليليو) عالم بحث في الحركة والسرعةوالسقوط واخترع ترمومتر و أتثبت إن الأرض كوكب صغير يدور حول الشمس مع غيره من الكواكب، وشكا بعض أعدائه إلىالسلطة الكنسية الكاثوليكية بأن أفكار(غاليليو) تتعارض مع أفكار الكنيسة، فاتهم بالهرطقة واستدعيا إلى روما وهناك تمكن بمهارتهالإفلات من العقاب لكنه اجبر على عدم العودة إلى كتابة هذه الأفكار، وظل ملتزمابوعده لكنه بعد حين كتب بنفس الأفكار، وفي هذه المرة أرغمته الكنيسة على أن يقررعلانية أن الأرض لاتتحرك على الإطلاق وأنها ثابتة، ولم يهتم (غاليليو) لهذا التقرير العلني وحكم عليهبالسجن ولكن بعد ذلك خفف الحكم إلى الإقامة الإجبارية وتم منع كتبه وظل منفيا فيمنزله حتى وفاته عام 1642 وتم دفن جثمانه في (فلورانسا) المدينة التي كان يعيش فيهاتحت نظام السلطة الدينية لبابا - فاستوحى (بريخت)من هذه القصة مسرحيته المعنونة تحت عنوان (حياة غاليليو) تعكس واقع الحياة وأزمتهالشخصية التي كان يعيشها (بريخت)؛ فاختار شخصية العالم الفيزيائي (غاليليو) كشخصيةللعمل طرحها لتشابه معاناة (غاليليو) مع معاناته الشخصية، فـ(غاليليو) هذا العالمالفيزيائي والفلكي قد اختار إما أن يعيش بين العمل الشاق و حياة الرفاهية في خدمةحاكم (فلورنسا) - حيث كان نظام حكم فيها نظام ديني وبسلطة (البابا) الذي كان مسيطراعلى مقاليد الحكم فيها - وبالتالي فقد وجد (غاليليو) بان أبحاثه في قوانين الفيزياءوالفلك والتي أحدثت ثورة حقيقية في العلم ستكون حياته - لا محال - معرضة لخطر بسببتعارضها مع تعاليم الدينية التي كانت الكنيسة تبناها؛ كما حدث لمن سبقوه منالعلماء؛ ولهذا كتب (غاليليو) مؤلفا علميادون إن يفصح عن مضمونه لأحد لكي لا يكشف أمره، تضمن على أبحاثه الهامة في نظريات العلم وهي فيغاية الأهمية؛ وقد استطاع أحد تلاميذه تهريب الكتاب ونشره؛ وفي مسرحية (حياة غاليليو)هذه إحداث شيقة يصعب الدخول في تفاصيلها في هذه الأسطر القليلة .

أما مسرحية (الأم شجاعة) هي مسرحية مقتبسة منرواية الكاتب الألماني (غريميتسها وزن) تدور أحداث القصة في القرن (السابع عشر)، ألفها(بريخت) في عام 1939 وتعتبر هذه المسرحية من أعظم مسرحيات (بريخت) مناهضة للحربوضد الفاشية والنازية التي كتبها على الإطلاق في القرن (العشرين) أثناء اجتياح(هتلر) دولة (بولندا) عام 1939، فالمسرحية تروى قصة (أم ) تسعى لتأمين الحياةلنفسها ولأولادها الثلاثة مطلع القرن (السابع عشر)، وفي ظروف الحرب التي دامت ثلاثينعاما هزت أوروبا الشرقية و(ألمانيا) بشكل مؤثر؛ فتفقد هذه (الأم) أولادها الثلاثةفي الحرب وينتهي مطافها وهي وحيدة فقدت أعز ما كانت تملكه أولادها الثلاث، درجةالذي لم تفقد أولادها فحسب بل أصبحت رويدا - رويدا تفقد رشدها أيضا، وفي المسرحيةإحداث وانتقادات وتحليلات قدمها (بريخت) بمنتهى الذكاء والحبكة لتثير المتلقي كلالإثارة عما تخلفه الحرب من تزيف وتحطيم لذات وللقيم المجتمع والمشاعر الإنسانية؛وقد أخذت هذه المسرحية منذ عرضها على المسارح اهتمام النقاد؛ وكتب عنها دراساتوتحليلات مهمة؛ وما زال إلى يومنا هذا تمثل هذه المسرحية في شتى دول العالم لمالها من معاني مناهضة للحرب( أي ضد الحرب) وما تخلفه من أثار مدمرة في قيم الإنسانية.

كما أن (بريخت) قدم انتقاداتهللمجتمع الرأسمالي بمسرحيته (صعود وسقوط مدينة ماهوجني 1929)، حيث قدم (بولإيكرمان) البطل إلى عقوبة الإعدام لأنه لم يتمكن تسديد ديونه، وفي هذه المسرحيةعمل (بريخت) بتقديم الحدث لا من اجل أن يتعاطف الجمهور مع معاناة البطل بل - وهو أسلوبالذي يتميز (بريخت ) بتقديم مسرحياته بشكل مستحدث في عالم المسرح - حيث كتب بخطعريض على لوحة علقها على خشبة المسرح لكييواجه الجمهور نفسه بهذه الحقيقية، كتب عليها ((الكثيرين منكم ربما يشهدون إعدام (بولإيكرامان) باشمئزاز، ولكنكم أيضا في رأينا غير مستعدون لأن تدفعوا له ديونه، حيثأن المال أصبح شيئا غاليا جدا في عصرنا هذا...!))، وهذه الطريقة التي لجئ إليها (بريخت)إنما تأتي لأحداث صدمة لتوعية الجمهور بكونهيواجههم بحقيقة الأمر ليدفعهم للتفكير بكل مجريات الحدث وليس فقط للإثارة المشاعر .

كما وعرض مسرحية(أوبرا الثلاث قروش - 1928) لينتقد ما تفرزه (الرأسمالية) من أمراض في المجتمع حيثقدم مدينة كبيرة للدعارة وفيها كل شيء مباح ومعروض للبيع، بسبب قلة المال، فـ(ألمانيا)في أعقاب الحرب العالمية الأولى تغلغل فيها كل أمراض المجتمع البرجوازي، فعرض رجلصاحب المال بمظهر برجوازي وهو جالس في الملاهي الليلية الرديئة يتصرف بكل فج ووقاحة يشتري ذمم الناس بماله ويستغل أوضاع الفقراء بماله؛ وهذه الصورة هي نموذجوجد منها الكثير في المجتمع، بل إن هذه الصورة ما هي إلا إفراز من إمراض المجتمع (الرأسمالي)التي هي مصدر كل شر.. ورذيلة.. وبلاء.. ومن النصب.. والاحتيال.. والخداع.. والعنف،كما إن المسرحية سلطت الضوء وبشكل عفوي ضمنمحاورها في كيفية بداية الطعام ومن ثم عن قيمة الأخلاق في مسرحية، وهذا النمط منمسرحيات (بريخت) أخذت أشكالا أعمق من خلال تقديم مسرحيات اللاحقة .

كما إن (بريخت) كانتغايته من كتابة مسرحيته (دائرة الطباشير القوقازية) هو تسليط الضوء عن أحقيةالملكية لمن يحرص على رعايتها واحتضانها بأفضل أسلوب وان يستثمرها لخدمة المجتمعفـ(بريخت) في هذه المسرحية يطرح موضوعين رئيسين فيها، قصة (الأم الحقيقية) وقصة(الأرض لمن يزرعا)، ففي الأولى يجد (بريخت) وهو قد اقتبس فكرة هذه المسرحية من قصة(صينية)، مفادها بان احد القضاة كان يحكم بين السيدتين ادعتا بكونها كل واحدةمنهما هي (الأم الحقيقية لطفل)، فرسم القاضي دائرة بخط الطباشير ثم وضع الطفلفيها، وطلب من السيدتين أن تسحب الطفل إليها، فمن استطاعت أن تخرجه من دائرةالطباشير تكون الأم الحقيقية له، لكن(بريخت)وظف هذه الحكاية (الصينية) بشكل مغاير، لأنه لم يحكم لـ(لأم الحقيقية) بل حكمالقاضي لـ(لام الخادمة أو المربية)، التي تبنت الطفل وعنيت بتربيته، لأنها هي التياهتمت بالطفل ورعته بينما (ألام الحقيقية) هربت وتركت طفلها حين اندلعت الثورة فيالبلاد، رغم إن (الأم الحقيقية) نجحت بجذب ابنها من خارج الدائرة الطباشير بينما (المربية)الأكثر رأفة وحنانا لم تستطع فعل ذلك خشية من أن يؤذى الصغير، وهنا رأى القاضي أن(الأم المربية) كانت أكثر حنانا من (الأم الحقيقة)، على عكس (الأم الحقيقية) التيتعاملت مع الأمر بقسوة وعنف، فحكم لـ(لأم المربية) برعاية الطفلة، وهنا نوضح، بانهناك حكاية مشابه في منطقتنا الشرقية يحكى عنها إن الحكيم (الملك سليمان) الذي حكمبين امرأتين متنازعتين على طفل ادعتا كل واحدة منهما بكون الطفل ابنها، لذلك يقترح (الملك سليمان) بتقسيم الطفل إلي جزئيين أثر أدعاء كل من ألامرأتينالمتنازعتين بأنه أبنها، فوافقت (الأم المزيفة) بينما رفضت (الأم الحقيقية) أنيشطر الطفل لان ذلك معناه قتله ولهذا فضلت أن تتخلى وتتنازل عنه من إن يقتلأمامها، وتبين لـ(الملك سيلمان) أنها (ألام الحقيقية) وحكم لها بحاضنته، وهنا إننذكر هذه القصة هو لكي لا يتلبس أمر قصة (الملك سلمان) عن قصة التي ذكرها (بريخت)والمأخوذة من (القصة الصينية) عند القارئ؛ بكونه ربما قد سمع هذه الرواية فيتراثنا الشرقي، وفي نص هذه المسرحية هناكمواقف وأطروحات فكرية و دروس وعبر في القيم والأخلاق في غاية الأهمية . إما في(القسم الثاني) من المسرحية ( دائرة الطباشير القوقازية)، فان (بريخت) يقدم حكايةصراع بين جماعتين من الفلاحين متنازعتينحول ملكية الأرض، كانت أحدى المجموعتين قد رحلت وتركت الأرض عندما هاجم (الجيشألماني) على (روسيا)، وبعد هزيمة (ألمانيا) عادت هذه الجماعة التي تركت الأرض وفرتتطالب بالأرض، بينما جاءت جماعة أخري تنازعها وتطالب بملكية الأرض بكونهم استثمرواالأرض وزرعوها بالأشجار والمثمرة، ليصدر الحكم بملكية الأرض لمن زرعها واستثمرفيها فيحسم النزاع في حل ألازمة باتجاهإلى من يرعي الشيء هو الأحق بملكيته، ليكون (بريخت) استثمر في طرح (الإيديولوجيةالماركسية) من خلال الصراع الاجتماعي.. والعامل الاقتصادي.. ونظام الملكية التيتبناها في هذا الطرح؛ وهي أحد تحليلات (بريخت) وقراءته لطبيعة المجتمعات وما أخذهمن ملاحظات وانطباعات حول طبيعة هذه المجتمعات في ظل النظم (الرأسمالية) والنظم(الاشتراكية) اثر مكوثه في (أمريكا) لمدة سبع سنوات فأراد إن يسلط الضوء عن حقيقة النظام (الرأسمالي) وظروفالقائمة تحت ظلاله اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا بهذا العمل الذي كتبه هناك .

إما على صعيد أنشطته الحزبية أو مع ارتباطاتهالحزبية حيث كان عضوا في (الحزب الشيوعي الألماني)، فان (بريخت) كثيرا ما وجهه انتقاداتللحزب؛ بما وجد من تصرفات بيروقراطية بين أعضاءه؛ وهو الأمر الذي رفضه الحزب فاتخذوا مواقف صارمة ضده بين حين وأخر وتسببت لهالكثير من المضايقات سواء بمنع بعض مسرحياته التي كانت تنتقد مواقف (الحزب الشيوعي)وهذا ما جعل الحزب يصدر أمر بمنع عرض بعض من مسرحياته كمسرحية (المعيار) و(القرار)التي انتقد فيها البيروقراطية القائمة داخل الحزب والانتهازية السياسة داخل النظامسلطة الحزب وقد أستشف معلوماته عن هذا الجانب من خلال عمله في الحزب الذي كانيمارس هنا وهناك، علما بان (بريخت) كان مؤمنا بالفكر (الماركسي اللينيني) وشديد الإعجاببقيادة (ستالين) كما انه منح جائزة (ستالين) وهي ارفع جائزة كانت تمنح في (الاتحادالسوفيتي) .

وقد ظل (بريخت) يتحدى وينتقد البيروقراطيةالحزبية من اجل تصحيح مسار عملهم في (ألمانيا)، ولم يكتفي بهذا النحو بل صاعدانتقاداته ضد ممارسات السلطات في (ألمانيا) وخاصة بعد صعود (النازية) ومسك زمامالأمور فيها؛ في وقت الذي عرف عن (بريخت) في عموم (ألمانيا) بمواقفه المؤيدة للحزب (الشيوعي) وانه كان من اشد منتقدي سياسيةالسلطات في (ألمانيا)، حيث عمل (بريخت) بتشكيل ممثلين من العمال كهواة لتمثيل فيمسرحياته التي أخذت تجوب مدن (ألمانيا)، مما أدى إلى تعرضها للقمع والمنع من قبلرجال الأمن والشرطة الأمر الذي قرر (بريخت) بعد عام 1933 إلى ترك (ألمانيا) حيناستلم (هتلر) الحكم في (ألمانيا)؛ وبعد إن أخذت السلطات (النازية) تضطهد كل كاتبومفكر وأديب وفنان لا ينتمي إلى (النازية) ويتم حرق كتبهم، فهرب (بريخت) من (ألمانيا) ليقضي بعد ذلك حياتهفي المنفى؛ بعد إن أصدرت سلطات في (برلين) أمر بسحب الجنسية الألمانية منه عام1935 ، فاخذ ينتقل بين دول الأوربية (سويسرا) و (فرنسا) و (فينا) و (دانمرك) و (سويد)و (فنلندا)، وبعدها هاجر إلى (أمريكا)، وبعد مكوثه في (أمريكا) سبع سنوات قرر (بريخت)العودة إلى (ألمانيا) عام 1948 ولكن فوجئبمنع سلطات في (ألمانيا الغربية) دخوله البلاد فتوجه إلى (ألمانيا الشرقية)، حيثاستلم هناك إدارة المسرح حتى وفاته بعد إن قضى أكثر من خمسة عشر سنة في المنفىبعيدا عن وطنه .

وخلال هذه الفترة كتب (بريخت) اغلب مسرحياته رغمإن الكثير من هذه الأعمال رفض عرضها في هذه الدول، وخلال العقد الأخير من عمره أيما بين عام (1948 - 1956) استمر (الحزب الشيوعي الألماني) غير راضي لانتقاداته رغمتقديمه تنازلات؛ وحين قدم مسرحيته عن (كومونة باريس) عام 1949 - و(كومونه باريس) هي أول دولة عمالية في التاريخاستلمت الحكم في (باريس) العاصمة (الفرنسية) لمدة ثلاثة أشهر في الثامن عشر منمارس عام 1871 مما إربك العالم (الرأسمالي) حين وجدوا رايةالعمال مرفوعة في (باريس) قلب أوربا وانالثورة الاشتراكية رفعت شعارات (تحرير العمال) مما ضنت الدول (الرأسمالية) بان لامحال بان العالم كله مهدد بالسقوط، ولهذا عملوا بكل ما في وسعهم لإسقاطها وحصرنطاق الثورة العمالية في (باريس) ومنعوها من التوسع إلى مدن (فرنسا) والدولالأوربية المجاورة بكل وسائل القمع؛ وفعلا نجحوا في ذلك، و رغم سقوط (الكومونة) في(باريس) فإنها بقت في ضمير وعقل كل أحرار العالم مؤكدين بأنه لا بديل مهما طالالزمن عن (الثورة العمالية) لإسقاط النظم (الرأسمالية) ولا بد لأي (ثورة عمالية)إن تبدأ بالخطوة الأولى في تحطيم الدولة البرجوازية والرأسمالية الغاشمة - ولهذا أقدمت الحكومة إلى منع مسرحته (كومونهباريس) واخذ الحزب يضايق (بريخت) كثيرا مما اضر إلى تقديم استقالته من الحزب؛ واخذيقدم مسرحياته القديمة؛ في وقت الذي لابد من الذكر بان (بريخت) منح جائزة (ستالين)من (موسكو) قبيل وفاته عام 1956 بعد إنتدهور أوضاعه الصحية، لأن (بريخت) بقى وفيا ومخلصا و مؤمنا بمبادئ (الماركسية - اللينينية)وان انتقاداته لم تكن لفكر الحزب (الشيوعي) بقدر ما كانت تتجه نحو تصرفات بعضالقيادات الحزب، وهنا لا بد إن نذكر بان (بريخت) رغم انتقاده لبعض مواقف (ستالين) إلاانه كان شديد الإعجاب بقيادته وقد كتب الكثير من الإشعار يمدح فيها قيادة (ستالين)في الاتحاد السوفيتي كما كتب فصائدا عدة منتقدا عن بعض مواقفه، ولكن في مجمل مسارعملة ونشاطه احتسب على التيار (الستاليني)، ولكن في المجمل ظل (بريخت) مؤمنا بـ(الماركسية- اللينينية) بيقينه المطلق بان ليس هناك من نظام يحكم بالعدل والإنصاف هذا العالمالمليء بالتناقضات والأزمات ويستطيع تحويل كل الجوانب السلبية في الحياة إلىايجابية، لان (الحزب الشيوعي) في اعتقاده هو النظام الأكثر وعيا وتطبيقا وإيمانابقوة التغير وبناء منظومة إنسانية واعية دورها في العطاء والتضحية والعمل والكفاحوالنضال؛ ولذلك تبنى (بريخت) الاتجاه العلمي (للماركسية - اللينينية) ووجد فيمعطياتها ملاذا فكريا تبحر فيه وقدم أعظم أعمال المسرحية لخدمة الإنسانية برمتها،ليعطي جل أوقاته بدراسة (الماركسية)وفلسفة (هيجل) وخاصة بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى 1914، ولذلك ومنذ لحظة الأولىلثورة (لينين) وقف (بريخت) مناصرا ثورته ومؤيدا لتطلعاته الثورية وكتب في ذلكقصائد غنائية يمجد قيادة (لينين) .

هكذا كان الكاتبوالشاعر الألماني (برتولد بريخت) يعبر عن إيمانه بـ(الماركسية - اللينينية) منخلال أشعاره وكتاباته المسرحية؛ لان ما حرك مشاعر ووجدان وإيمان (بريخت) إلىالنظام (الماركسي اللينيني) ويتخذ من (المادية التاريخية) منطلقا لكتابة مسرحياتهعبر التحليل العلمي باتجاه الأوضاع الاجتماعية والسياسية، لان (بريخت) الذي جندقلمه بعالم المسرح بعد إن هام بهذا العالم، عالم المسرح؛ فقد وجد بان المسرح آنذاكأي في مطلع قرن (العشرين) والربع الأول منه، كان يخدم ويطرح كل ما يخدم (الطبقاتالبرجوازية) لان أغلبية كتاب المسرح في هذه الحقبة كانوا من النخب (البرجوازية)التي كانت تسيطر على عالم المسرح فلم تكن لمسرحياتهم أي هدف اجتماعي أو سياسي بقدرما كان التقديم يعرض لمجرد التسلية؛ فكانوا يمنعون أي عرض هادف يحاكي هموم الطبقاتالعمالية، ولهذا دب الوهن والضعف في الإعمال المسرحية لحجم التسطيح الشكليللمسرحيات وخلوها من أي مضمون هادف، واعتبر(بريخت) بان كل ما يقدم على خشبة المسرحما هو إلا تنويم مغناطيسي يخدر عقل المشاهد بكونه يحاصر عقله داخل أحداث العملالمقدم من دون أن تبلور لديه أي فكرة لتحليل الإحداث و مناقشة واقع الحياة بهدف تغيره وإيجاد حلول واقعية نحوالأفضل، ولهذا وعى (بريخت) ما آلت إليهالمسرح؛ ولما فكر بتغير هذا النمط من المسرح الغير الجاد والعبثي؛ أدرك بان منطلق (التغيير)يبدأ بإسقاط السلطة (البرجوازية)، وهذا لا يتم ما لم يكن هناك وعي اجتماعي وسياسيويتجه اتجاها ثوريا لتغيير؛ بعد إن وجد صعوبة في تقديم إعماله المسرحية في بدايةعمله كمسرحي بسبب منع الطبقات (البرجوازية) لأعماله التي اتسمت بطابع تعليمي وذاتملامح سياسية، رغم إن (بريخت) عام 1922 حصل على جائزة (كلايست) عن أول أعمالهالمسرحية، كما وانه لفترة عمل مخرجا مسرحيا وقد أخرج العديد من مسرحياته في (برلين)ولكن بصعوبة نتيجة اعتراض من قبل الطبقات (البرجوازية) على أعماله المسرحية، التيكان تهيمن على هذا القطاع، ورغم كلالمعوقات التي كانت تعترض طريقه إلى المسرح إلا انه تميز (بريخت) بكونه من ابرزكتاب المسرح في (ألمانيا) لكونه كان يسلط الضوء على شخصيات ألتي يقدمها على الجانب(النفسي) لأنه كان متأثرا بأفكار (فرويد 1856 - 1939) في التحليل النفسي والذي كانمعاصر له، لذلك عمل (بريخت) إلى تحليل القضايا بأسلوب (التحليل النفسي) باعتقادهبان ذلك يؤثرا في نفوس المشاهدين تأثيرا ايجابيا في مسرحياته، وبقى (بريخت) أمينا للمسرحيقدم أعمالا هادفة بما يطرح من مواقف إنسانية واجتماعية وسياسية بالفهم (الماركسية- الينينية) ومتحديا للأفكار (البرجوازية) و(الرأسمالية)، لأنه كان مؤمنا بضرورةتسييس الفن والمسرح؛ لان اعتقاده كان يتجه بان لا تغير ما لم يعي الإنسان واقعهالسياسي ويتفاعل معه من اجل إبداع صورة حقيقة لنهضة المجتمع، ولهذا عمل على كتابه (المسرحالتعليمي) بغية تنبيه المتلقي وإيقاظه وإثارته ودفعه إلى (التغيير) تغيير الواقع،ومن اجل إيقاظ وتركيز المتلقي عمل (بريخت) على استحداث المؤثرات البصرية والسمعيةعلى المسرح لتمنح (أولا) جمالية للعمل و(ثانيا) تجذب المشهد و(ثالثا) لترسلرسالتها بصيغة مقنعة عبر إحداث التواصل بين النص والمتلقي، ولهذا ابتكر(بريخت)أسلوب (المسرح الملحمي) الذي هو عبارة عن سرد القصة كمقدمة لبداية المسرحية، إذيتم خروج ممثل إلى خشبة المسرح فيجلس ليروي ويسرد أهم أحداث المسرحية على الجمهورحتى تثير لدى الجمهور المشاهد فرصة التأمل والتفكير في الواقع إثناء بدا العرضليتخذ موقفا ورأي من القضية المتناولة في عمل المسرحية، كما فعلها (بريخت) في مسرحيته(دائرة الطباشير القوقازية)، ولهذا فان (بريخت) اعتبر بان المشاهد هو عنصرا أساسيافي كتابة المسرحية وعرضها واعتبر بان خشبة المسرح ما هو إلا غرفة من ثلاثة جدرانوالجدار الرابع هو جدار وهمي الذي يقابل الجمهور ولهذا فان إي عمل يقدم لا بد إنيكون ذو أحداث غريبة ومثيرة وباعثة على تفكير والتأمل عبر تقديم حكم وأمثال ومواعظو تسلية؛ وهي تتجه أو تأخذ منحى سياسي من اجل التحريض السياسي للمتلقي وبأسلوب (السخريةالكوميدية) للمواضيع الحساسة فاستخدم (أغنيات) بين المشاهد كنوع من التحريضوالتسلية للعمل كي يبقى الجمهور مشدودا إلى المسرحية، ولهذا عمل (بريخت) في كتابة العملالمسرح بتجاوز البناء التقليدي في كتابة المسرحية والمتمثل بـ(البداية تتم بمدخلبسيط) ثم (ترتفع الأحداث لتصل إلى جوهر العقدة) ثم (الحل)، حيث (لم يعتمد) على هذاالنمط من البناء، إذ التجئ (بريخت) إلى كتابة أكثر من مسرحية في مسرحية واحده، إي إنهعمل على بناء مسرحية واحدة ولكن تشمل في داخلها مسرحيات أخرى؛ وكل من هذهالمسرحيات تشمل على فصل واحد يختلف كل واحد منها عن الفصل السابق من حيث وقوع أحداثهاوبما تشكل من مشاهد متفرقة في أزمنة مختلفة ولا يربط بينهما إلا هدف واحد هو(التوعية)، كم قدم هذا النمط من العمل المسرحي في مسرحيته (دائرة الطباشيرالقوقازية) و مسرحية (الخوف والبؤس في الرايخ الثالث)، كما استخدام (الموسيقى) و(الأغنيات)بين المشاهد لتواكب هذه القطع الموسيقية مجمل أحداث المسرحية مع عرض مناظر وأفلامسينمائية كمؤثرات تواكب احدث المسرحية على نحو ما قدمه في مسرحية (طبول في الليل)و(أوبرا القروش الثلاثة) و(حياة ادوارد الثاني)، وذلك كنوع من المزج بين التحريض والتسلية والتركيزعلى الواقع الاجتماعي التي في إطارها تتحرك أحداث المسرحية؛ وذلك من اجل تعميقوتحريك وعي المشاهد بالواقع وبالتناقضات المجتمع، ولهذا عمل (بريخت) باستخدام أسلوب(الغرابة) أي انه يكتب عن (أمور مألوفة ولكن بصورة غريبة)، وذلك لكي لا يترك مرورالمشهد المسرحي على المتلقي بصورة مملة؛ وهو يعي سلفا ما سيؤول إليه المشهد، ولكنعندما يقدم مشهد ما بشكل جديد (غير مألوف) إنما كان (بريخت) يقصد من ذلك فرصةللمتلقي إن يحاور ذاته بصدد هذا المشهد (الغريب)، رغم كونه ليس بالجديد ولكن صيغبشكل جديد بما يربك المشاهد عن وضع الذي يتلقاه عبر هذا المشهد؛ إما بتقبله والإقناع بما يحدث أو رفضه، لتكونصبغة صياغة المسرحية عند (بريخت) يعتمد في بعض مسرحياته على (التاريخ) كأحد أركانالتغيير الذي أراد من خلاله تحويل (المسرح الملحمي) إلى (المسرح الدايلكتيكي) عبرالبحث في معطيات (التاريخ) تاريخ الماضي للاستفادة منه في الحاضر والمستقبل، ليكون(التغيير) احد أهداف هذه الإلية؛ لتفادي سلبيات التي يواجهها المجتمع، ولهذا نجدبان (بريخت) اخذ يقتبس من قصص وأحداث (التاريخ) وإعادتها بشكل (حديث) كما فعل فيمسرحيته (الرؤوس المستديرة والرؤوس المدببة) التي اقتبس فكرتها من مسرحية (كيلبكيل) لـ(شكسبير)، وكما كتب مسرحية (أوبرا الثلاث قروش) التي اقتبس فكرتها من (أوبراالمتسولون) للكاتب البريطاني ( جون كاى )، وكما كتب مسرحيته المعنونة (يوحناالمقدسة على المذابح) وهي مسرحية اقتبس فكرتها من مسرحية (عذراء اورليانز) للكتابالكبير(شلر)، وكما كتب مسرحية (الاستثناء والقاعدة) وهي مسرحية مقتبسة من رواية(الأم) لروائي الروسي (مكسيم غوركي)، ومن خلال هذا الابتكار في كتابة المسرحية؛ إنماأراد (بريخت) أحياء التراث بالمفهوم المعاصر ويعاد صياغته بمنظور فكري وفلسفيوسياسي يواكب المعاصرة لكي يتحول النص إلى موضوع عام يمس المجتمع فيتقبله المتلقيكونه يعالج ويخاطب قضايا ومشاعر الإنسانية، ولهذا فان ميزة أعمال (بريخت) المسرحيةهي تعميق الوعي الإنساني بكل ما يحيط وجوده من تناقضات الواقع بهدف تغييرها، ولهذالم يكتفي (بريخت) بمعطيات التي ابتكارها في (المسرح الملحمي) والتي كانت تعارض خطالمسرح (البرجوازي) الذي كان سائدا في عصره بنمط المسرح (ارسطوي) التقليدي؛ فعملعلى تطويره متأثرا بأفكار (ماركس) و(هيغل) إلى (المسرح الدايلكتيكي) لكي يواكبمسرحه طبيعة التناقضات الحاصلة في المجتمع على خشبة المسرح؛ لكي يكون المتلقي لديهفرصة المشاركة في عملية التغيير بعد إن وجد (بريخت) بان (المسرح الملحمي) ليسبوسعه (التعبير) عن طبيعة التي يرغب (بريخت) التوجه إليها عبر (التغيير) لذلك عملعلى إيجاد مسرح بديل عنه؛ فابتكر (المسرح الدايلكتيكي) جمع فيه بين عناصر (المسرحالملحمي) و(المسرح الارسطوي) محاول منه التقريب بين منطلقات المسرحين باتجاه واحدوهو (المسرح الدايلكتيكي)، لان (أرسطو) كما اعتقد (بريخت) كان شديد تأثير بالمسرح(الإغريقي) في وقت الذي نجد بان أشهر كتاب المسرح (الإغريقي) من (سوفوكليس)و(ايسخولوس) و(يوريبيديس) هم كتاب سبقوا (أرسطو) وكانوا في كتابة نصوصهم المسرحيةيهتمون بإبراز عناصر (الغرابة ) وشي من بعض مقومات التي عمل (بريخت) على ابتكارهاوإظهارها وتركيز عليها في مسرحياته وتحيدا في نمط الذي نسميه بـ(المسرح الملحميالبريختي)، وان (أرسطو) تأثر بالمسرح (الإغريقي) تأثيرا كبيرا؛ ولهذا فانه صاغوكتب قواعد كتابة (الفن الدراما والشعر) من (مسرحيات إغريقية) وتحديدا مسرحية (اوديبملكا)، وكمل عمل (أرسطو) في تطوير فن (الدراما) بتأثير من الفن (الإغريقي)، فان (بريخت) عمل إلى تطوير المسرح بتأثير أفكار(ماركس) و (هيغل) إلى المسرح (الدايلكتيكي) - كما قلنا - لكي يفهم الجمهور طبيعة حركة (الدايلكتيك) في تتابعالأحداث لكي يعي المفارقات التي تحدثت و تجددت وتطورت في المسرحية، وعن إمكانيةمعرفة طبيعة التناقضات وعن إمكانية (التغيير) ما هو عليه إلى ما يمكن أن يكونعليه، حيث قدم شخصياته بملامح أرسطية ولكن بطبيعة (دايلكتيكية)، أي إن هذهالشخصيات تنمو وتتطور بفعل الإحداث، وهذا هو فهم (المسرح الدايلكتيك) الذي قدمه(بريخت) على خشبة المسرح وأبدع فيه لتشكل إعماله المسرحية مدار اهتمام الباحثينولدارسي المسرح بعد إن احتل (بريخت) مرتبة من المراتب المتقدمة في عالم المسرح بعد(سكسبير) و (جوته) و (شيلر) و(مولير) و (جورج برنادشو) .

لان ما قدمه (بريخت)من إعمال فاضت بالأفكار والمشاعر الإنسانية وتكلمت بصدق عن واقعها لتكون ليست مجرد إعمال أدبية مسرحية أتقنت حرفيتهابقدر ما كانت تعبر عن أحداث التي أحاطت بالآم الشعوب ففاضت بروح ومشاعر الإنسانيةالنبيلة بما جعلتها أعمال لا تمر على متلقيها دون إن تترك فيه تأثيرا؛ لان ما قدمه (بريخت) من مسرحيات جسد بصدق هموم الإنسانوقضياهم ليجعل من مسرحه في خدمتهم لأنه كان يرصد ويشعر بهموم المجتمع وما يتعرض من معاناة في حياته أليوميه، ولهذا فان (بريخت)جسد هذه المعاناة في لغة المسرح ليتوهج ما يقدمه على خشبة المسرح بحضور حيوي تناغمالمتلقي مع رؤيته الفنية التي واكبت كل مستحدثات واقعه ومتطلباته .


 

جميع الحقوق محفوظة لموقع المحطة  Copyright   All Rights Reserved - Almahatta.net

الصفحة الرئيسية

من نحن

سجل الزوار

دليل المواقع

اتصل بنا

مدينة القامشلي

صور من القامشلي

رياضة القامشلي

اطفال

نكت

ديانة مسيحية

قصص قصيرة

صور فنانين

هل تعلم؟

سري للغاية!

حوادث غريبة

ذكريات

مذابح

تعليقات الأخبار

تعليقات الزوار

 

عجائب وغرائب

تاريخ

مواضيع اخرى

اغاني MP3

 

 

Home   الصفحة الرئيسية